تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢

تنبيه :

اعلم أنه ذكر بلسان الإرشاد وأمر المسترشد بالتحقّق بمقام التوبة مجملا ، ثم مفصّلا إلى ههنا من جهة كلّيات ما يتضمّنه هذا المقام الجامع لأحكام ابتداء سلوك السائر إلى اللّه تعالى ، ثم أمره في هذا البيت الذي يلي البيت المشروح بالتحقّق بمجمل مقام الزهد ، ثم فصله في أربعة عشر بيتا ، ثم يرشده إلى بقايا من المقامات على سبيل الحكاية عن سلوك نفسه ، لئلّا يحجم المسترشد رهبة من صعوبتها ، إلى أن ينتهي غاية الغايات ، فافهم .
وأقدم ، وقدّم ما قعدت له مع ال خوالف ، واخرج عن قيود التّلفّت الإقدام : المسارعة في الشروع في الأمر والمسابقة فيه ، وقدّمت كذا إلى فلان : إذا جعلته تقدمه تقدم عليه بواسطتها قبل وقت الحاجة ، والخوالف : جمع خالفة وهي في الأصل عمود الخيمة المتأخّر ، ويكنى بها عن المرأة وعمّن يخلف القوم في أهليهم ممّن لا خير فيه ولا نباهة . يقول : أسرع في الشروع في قطع التعلّقات ، وقدّم كل ما قعدت لأجل تحصيله ومراعاته وحفظه من المال والأهل والأولاد والجاه والحشمة والحظوظ واللذّات الدنيوية والأخرويّة مع الخوالف ، أي المتخلّفين عن الجهاد الأكبر مع النساء والأراذل والأخسّاء الذين هممهم مقصورة على استيفاء الحظوظ العاجلة ورعاية أسبابها كالنساء ، ومن تكون همّته مصروفة في استيفائها وتحصيلها في الآخرة كالزهاد والعباد الأخسّاء الذين إذا تركوا شيئا أو عملوا عملا كان مطمح نظرهم في ذلك مثل تلك الحظوظ ، وأدومها أو ثواب ذلك العمل من جنس هذه الحظوظ النفسانية الحسّية في الآخرة قدّم جميع ذلك لا طمعا في الثواب ، ولا رهبة من العقاب في الآخرة ، بل لكون جميعها موانع وعوائق تحول بينك وبين محبوبك والتطلّع إليها مانع من صحة توجّهك إليه ، وكل ما يقيّدك عن الإقدام ، وإتمام أمر السير والسلوك بالالتفات إليه بقلبك أو نفسك أو روحك ، فأخرج عنه واقطع جميع تعلّقاتك بما سوى حضرة مطلوبك تفز بالقرب منها . مضمون هذا البيت جميعه حثّ على التحقّق بمقام الزهد مجملا ، ثم يفصل كلّياته فيما بعد ذلك .