يقول : وكن قاطعا لحكمك على نفسك في زمانك الحاضر بحيث تمضي كل آن بما حضر فيه من مهم سلوكك غير محيل شيئا منه على آن آخر ، فإن ذلك الآن أيضا له شأن آخر مهم مختصّ به ، كالوقت الذي هو سيف قاطع بإمضاء حكمه في آنه المختصّ به بين حكم هذا الآن وبين حكم غيره ، يعني كل ما بدا لك من أمر سلوكك وقطع تعلّقاتك والقيام بحقوق المقام الذي أنت فيه من محاسبة وتهذيب ومجاهدة ونحو ذلك في زمانك الحاضر ، فاجتهد في إمضائه وإتمامه في هذا الزمان الحاضر ، فإن ذلك حيث بدا وتعيّن عندك ذلك الأمر في هذا الزمان الحاضر علم أنه من حكم هذا الزمان ومقتضاه ، فلا تفوته ولا تدع هذا الزمان يمضي خاليا عنه ، فإنه يفوتك بفوات الزمان الذي هو مقتضيه ، وإن قلت أمضيه وأتمّمه في زمان آخر لا تتمكّن منه ، فإن ذلك الزمان مقتضاه وحكمه أمر آخر غير هذا الحكم يطالبك بإمضاء مقتضاه ، فلا بدّ وأن يفوتك أحدهما ، وربما تكون سعادتك وسبب بلوغك إلى مقصدك ذلك الذي فاتك ، فلهذا قال :
وإياك أن تقول لعلّي أقضي هذا الشغل في وقت آخر ، فإن هذا أخطر علّة امتناع بلوغ المقصد ، لما ذكرنا .
ومن هذا المقام ما نقل عن الأستاذ المقتدى به على الإطلاق أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه أنه رآه يوما بعض أصحابه مغموما ، فسأله عن سبب ذلك فقال : فاتني ورد من أورادي ، فقال له صاحبه : اقضه ، فقال : كيف أقضيه والوقت مشغول بأهمّ منه .
وقم في رضاها ، واسع ، غير محاول نشاطا ، ولا تخلد لعجز مفوّت
القيام في رضاها إشارة إلى العمل بقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ
[ سبأ : الآية 46 ] ، وقد جعل الشيخ الأجلّ عبد اللّه الأنصاري هذا القيام مبدأ أمر السلوك عند القاصدين في السير ، وقال : هذا مبنى باب اليقظة التي هي مقدمة ومبدء لمقام التوبة ، فإن الرجل في أوّل أمره كان كالنائم لغفلته عمّا ورائه من أمر الآخرة واشتغاله بأمور سريعة التغيّر والتحوّل ، وهي الأمور الدنيوية الشبيهة بهذا الحكم بحالة الحلم ، أعني في سرعة التغيّر والتحوّل والزوال ، فما يراه المستيقظ من الأمور الدنيوية في حسّه مثل ما يراه النائم في نومته فيما ذكرنا ، فأول من وعظ ونبّه عن نومته بقوله :
أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ
[ سبأ : الآية 46 ] ، لهذا جعل هذا القيام مبدأ السلوك .