تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
[ الأنفال : الآية 24 ] ، بلسان الباطن والقبول والانقياد لدعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
[ آل عمران : الآية 31 ] ، لتحيا بحياة يحببكم اللّه ، وحينئذ يكون حضرة محبوبك حائلة بين قلبك وبين نفسك وشهواتها بحكم
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[ الأنفال : الآية 24 ] ، ولا تخلي شهوة ولا حكم انحراف يتعرض لقلبك ، واجتنب أن تقول الآن لم أجد في نفسي نهضة ونشاطا إلى السلوك غدا إذا وجدت من نفسي ذلك تشمّرت عن ساق الجدّ والاجتهاد ، فإن ذلك مما يطول عليك الطريق ، بل يفوّت عنك المقصود لأن النفس ما دامت في قيد دائرة مقام الإسلام يكون الغالب عليها أحكام الحجابية ، فلا ينقاد لأوامر الشرع ونواهيه إلّا عن تكلّف ومعاناة ومشقّة وكلفة ، فكثيرا ما تظهر كلالا وملالا عند القيام بأحكام الشرع ومتابعته ، ولم تجد نشاطا وروحا في سلوك طريق الشريعة والطريقة وأداء حقوقهما والانتهاض لذلك إلّا عند دخولها في دائرة مقام الإيمان ورقّة الحجب فيها ، ولم يتمكّن من الدخول في دائرة مقام الإيمان إلّا بعد تمام أداء حقوق مقام الإسلام ، فإذا أخّرت تشميرك عن ساق الجدّ والاجتهاد إلى حصول نشاط ونهضة لا تحصل إلّا في دخولك دائرة مقام الإيمان ، لا بدّ وأن يفوتك المقصود لبقيّة من مواجب حقوق مقام الإسلام عليك ما أدّيتها وأهملتها بالتأخير والتسويف ، فلا تؤخر شيئا من ذلك لكيلا يفوتك المقصود .
وكن صارما كالوقت فالمقت في « عسى » وإيّاك « علّا » ، فهي أخطر علّة كن صارما : أي سيفا ماضيا لأمرك وحكمك على نفسك بالسلوك وقاطعا عليها ذلك ، وسمّى السيف صارما لمضائه وشدّة قطعه من صرمته إذا قطعته ، والوقت في اصطلاح القوم : التلبّس بحال دائم يندرج فيه الماضي والمستقبل ويقع حكمهما وتميّزهما ، فيظهر لذلك المتلبّس به كل وصف غالب عليه حالتئذ ، ويشغله بذلك الوصف عن غيره من الأوصاف المتعلق ظهور حكمها بالماضي والمستقبل ، وذلك لا يكون إلّا لمحة واحدة مثل بروق برق ، لهذا سمّوه سيفا بقولهم : الوقت سيف لقطعه حكم الوصف الغالب حالتئذ بإظهار سلطنته وتمضي لسبيله كالسيف ، والمقت : البغض الشديد لمن يرى متعاطيا للقبيح ، وعسى ولعل كلمتا ترجّ وطمع ، وقد تحذف اللام الأولى من لعلّ عند الإضافة ، فيقال : علّك وعلّي ، وإيّاك كلمة تحذير ، وههنا معناه احذر .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 328 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني