تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
النفس وتردّدها ، وهذا المنقاد المطمئنّ لأوامر ربّه ونواهيه ووعده ووعيده يسمّى مخبتا ، وهذا بعض تفصيل ما أجمل في البيت الأول من ذكر فروع مقام التوبة ، وهي الرجوع عن صور الانحرافات الاعتقادية والقولية والفعلية التي عليها مدار السلوك ، ثم مقام الاعتصام ، ثم مقام الاستقامة الأولى المتعلقة بمقام الإسلام غير الاستقامة المتعلقة بمقام الإيمان والإحسان ، ثم مقام الإجابة ، ثم مقام الإنابة ، ثم مقام الإخبات ، ويذكر في البيت الآخر مقام الاستجابة ومقام الجدّ في الاجتهاد بترك التسويف والتوقيف ، واللّه المرشد .
وعد من قريب ، واستجب واجتنب غدا أشمّر ، عن ساق اجتهاد ، بنهضة قيل : الإجابة تكون بالقول والفعل ، والاستجابة لا تكون إلّا بالفعل ، وقيل : الإجابة تكون بالظاهر ، والاستجابة لا تكون إلّا بالباطن . يقول : لمّا كان بموجب قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا قنطرة فاعبروها » « 1 » ، هذه النشأة الدنيوية معبر إلى الآخرة وإلى المقصد والمسكن الذي هو حضرة
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
[ المائدة : الآية 48 ] ، والطريق المستوي المستقيم هي الشريعة والطريقة بحكم :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً
[ الأنعام : الآية 153 ] ، وخطوات السير فيها هي الأنفاس ، فكل نفس صرف على خلاف الشريعة والطريقة كان خطوة واقعة في طريق منحرف ينتهي إلى البوار ، وكلّما تمادى السائر في إيقاع الخطوات في ذلك الطريق المنحرف أمسى أبعد من المقصد ، وصار الطريق أطول عليه ، فإنّه لا بدّ له عند مرجعه عن ذلك الطريق المنحرف من العود إلى ما انحرف عنه الطريق المستقيم ، ثم يأخذ في السير إلى المقصد ، فيطول الطريق عليه بقلّة تماديه في الطريق المنحرف ، فكلّما وقعت الأنفاس وصرفت في متابعة الهوى والطبع يصير العبد أبعد من حضرة المحبوب المقصود ، وحيث عاد ينصرف سريعا عن متابعة الهوى وصرف أنفاسه في متابعة الشريعة قرب من المقصد ، فيقول مخاطبا للمسترشد : ارجع من صرف أنفاسك في متابعة هواك إلى صرفها سريعا في متابعة شريعة حضرة مولاك ليكون رجوعك عن قريب قبل أن تبعد عن مقصدك ويطول عليك الطريق بتماديك في صرف أنفاسك في هواك ، وعجّل في استجابة دعوة
هامش
( 1 ) رواه ابن هبة اللّه الشافعي في تاريخ مدينة دمشق ، عن مجاهد وهو من كلام عيسى ابن مريم ، [ 47 / 430 ] .