هداية الطريق ، وبالسداد سداد السهم » « 1 » ، والمقاربة : القصد بين الإفراط والتفريط ، فإنه يقرب بحكم الاعتدال من الخلق ، والاعتصام : التمسك والتوثّق والاستقامة ، يقال في الطريق الذي يكون على خط مستو وبه شبّه طريق الحقّ والمحق ، والإخبات : هو الخشوع والانقياد والاطمئنان إلى الشيء من قولهم : أرض خبت ، أي : مطمئن ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 )
[ هود : الآية 23 ] ، أي : اطمأنّوا إليه ، قوله لها : أي لأجلها متعلق بقوله : واستقم ، وإليها متعلق بإنابة مخبت ومجيبا حال من التسديد والمقاربة والاعتصام والاستقامة جميعا .
يقول : لازم طريق الصواب المستوي في اعتقادك ، وقولك - يعني الاعتقاد الصحيح - الواقع بين الإفراط والتفريط ، وبين التنزيه والتشبيه بلا ميل إلّا تأويل في إثبات صفات حضرة مطلوبك وإلى تجسيم ، بل اعتقد أنها ثابتة لها على نحو ما تعلمه وتريده منها ويعلمه ويريده منها رسوله ، وبيّن خوفك ورجائك بحيث لا تميل إلى الأمن بالكلية ، ولا إلى القنوط بالكليّة ، فإن هذا هو الإصابة والاستواء في الباطن والاعتقاد الصحيح ، وهكذا في أقوالك لازم الصدق وقول الحقّ فيها ، وأقبل في أفعالك وأخلاقك على السبيل القريب الذي هو الوسط بين الغلوّ والتقصير وتمسّك في ذلك بالكتاب والسنّة ، فإنهما الحبل المتين ، وفي توجّهك والتجائك فتمسك بحضرة مطلوبك وعونها وكفايتها ، وأثبت على هذا الطريق المستقيم الذي أرشدتك إليه في اعتقادك وقولك وفعلك وخلقك ؛ لأجل حضرة محبوبك ومطلوبك ، وهذا التسديد والمقاربة والاعتصام والاستقامة ينبغي أن يكون في حال إجابتك دعوة تلك الحضرة إليها بقوله عزّ من قائل :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
[ يونس : الآية 25 ] ، وحكم هذه الإجابة وأثره إنما يظهر فيك عند تجاوز أثر الإنابة التي هي الرجوع إلى الطريق لإصلاح ما أفسدت بمتابعة هواك عن همّ نفسك ونيّتها بالندم إلى ظاهرها وفعلها ، وحينئذ يصح منك إجابة الدعوة ، وإلا قبل ذلك لا تتهيأ لك إجابة الدعوة لشغل النفس بهواها ، وهذه الإنابة ينبغي أن تكون مضافة إلى من انقاد لأوامر ربه واطمأنّ إلى وعده ووعيده ، وإلّا لا تتحقق الإنابة عند شماس
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه بلفظ : « اللّهمّ اهدني وسدّدني واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسّداد سداد السهم » . باب التعوّذ من شرّ ما عمل . . . ، حديث رقم ( 2725 ) [ 4 / 2090 ] ؛ ورواه غيره .