تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
السلوك ومبدأ التوبة التي هي الرجوع عن السبل المنحرفة المتفرّقة المفرّقة ، ثم يهدي إلى الاعتصام في هذه الرعاية بحبل اللّه الذي هو الشريعة والطريقة ، وباللّه بالالتجاء إليه كل ساعة ، وفي كل حالة ، ثم إلى الثبات على ذلك وعدم الميل إلى كل شيء سوى مقصده وسبيل الوصول إليه وعدم التردّد في قصده ، ثم إلى إجابة دعوة تلك الحضرة بحيث تكون إجابته للدعوة عند مجاوزته باب الإنابة التي هي رجوع خاص من الطبع إلى الطريق والشرع مع التصدّي لإصلاح ما فاته وترميم ما انهدم من مباني دينه فيما مضى من عمره ، وتلك الإنابة مضافة إلى من يكون منقادا لأحكام ربه مطمئنّا إليه ، ثم يحثّه على التعجيل في ذلك الرجوع لئلّا يطول عليه الطريق ، فإن كل نفس تخلو عن ذلك وتسلك فيه في غير الطريق القويم لا بدّ له من الرجوع إلى مبدأ ما ضلّ عن الطريق المستقيم ، وحينئذ يطول بسببه سبيل الرجوع إلى المقصد ويحذره عن التسويف والتأخير متوقّفا إلى ظهور نهضة ونشاط ، وهذا كلّه إلى تمام ستّة أبيات أحكام مقام التوبة ، ثم يشرع في الإرشاد إلى مقام الزهد وفروعه إلى تمام خمسة عشر بيتا ، فاعلم ذلك .
وأمس خليّا من حظوظك ، واسم عن حضيضك وأثبت ، بعد ذلك تنبت هذا البيت مذكور فيه مجمل مقام التوبة ، فإن التوبة حقيقتها رجوع عن متابعة النفس والطبع أولا إلى ملازمة الطريق والشرع ، ثم آخرا عن الخلق إلى الحقّ . فيقول : ارجع عن متابعة نفسك وطلب حظوظها الدنيوية أولا ، والأخرويّة ثانيا ، وصر خاليا عنها بالكلية ، وارجع عن الظهور بأحكام خلقيّتك وارق عن حضيض قابليّتها للنقص والزوال والفناء بموجب
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : الآية 88 ] ، إلى أوج الحضرة الحقيّة الذي هو منبع الكمال والثبات والبقاء بإزالة تلك الأحكام الخلقية عنك ورجوعك عنها بتلك الإزالة ، وأثبت واصبر على مقاساة الشدّة في تلك الإزالة ومعاناة عناء فناء تلك الأحكام حتى ينبت من أرض نفسك نبات القلب ، وتتجلّى فيه أنوار الرب ، وهو معنى قوله : وأثبت بعد ذلك تنبت .
وسدّد ، وقارب واعتصم واستقم لها مجيبا إليها ، عن إنابة مخبت التسديد : إلزام النفس على السداد ، وهو الإصابة والاستواء ، ومنه ما قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ رضي اللّه عنه وهو صبي : « قل اللّهمّ اهدني وسدّدني واذكر بهدايتك