وأغوت بتسويلاتها وبمدد الشيطان ووساوسه وهذه الحضرة المحبوبية هي التي دلّت بي . فقوله : أدلّ بها من باب « كنت سمعه وبصره » بأن يكون هي التي دلّت ، والفعل مضاف إليّ ، وذلك حكم التجلّي الظاهري .
وقوله : وهي دلّت ، استدراك ورجوع من الظاهر إلى الباطن ، وكلام الحقّ على لسانه من باب أن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده ، وذلك بأنّ الفاعل هي والآلة أنا ؛ لا جرم قال : وهي دلّت ، أي : دلّت بي ، وعلى هذا يرحع ضمير الهاء في من به ضلّ إلى الضالّ ، يعني : أدلّ أنا بمدد حضرة المحبوب كل من ضلّ بنفسه وبمتابعته هواها ومطاوعة الشيطان عن طرق هدى ربه وعنايته ، ووقع في سبل متفرقة مفرّقة ، وحيث ذكر إقامة حضرة المحبوب إيّاه للدلالة والهداية والإرشاد بها ، حينئذ أعرض - أعني المسترشد - على تسليم نفسه وترك مراده لحضرة المحبوب ، يعني له مطمئنا بأنه يوصله إلى المقصود .
فخلّ لها ، خلّي ، مرادك ، معطيا قيادك من نفس بها مطمئنّة
خلّ معناه : اترك ، والخلّ والخليل واحد ، والقياد والمقود : حبل تقاد به الدابة ، ومن للابتداء متعلق بمعطيا ، يعني ابتدأ إعطائك انقياد نفسك .
يقول مخاطبا للمسترشد : وبعد أن علمت أني قد تصدّيت لهداية الطالبين بسراية أثر حضرة المحبوب من عونها وهدايتها في ظاهري وباطني وأقوالي وأفعالي ، فسلّم نفسك إلى حضرة مقصودك بتسليمها إليّ ، واترك مرادك لي ، فإن ترك مرادك لي هو ترك مرادك لتلك الحضرة حال إعطائك مقود اختيارك إياي ، بحيث لا يبقى لك اختيار البتّة في جميع أمورك ، فإنك لا تعلم خيرتك لغلبة أحكام الجهل التي خرجت من بطن أمّك متلبّسا به بحكم :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
[ النّحل : الآية 78 ] ، وينبغي أن يكون إعطاؤك مقود اختيارك إياي بحيث يكون كما قالوا : المريد الصادق من يكون مع شيخه كالميت بيد الغاسل ، صادرا من نفس مطمئنة بهداية حضرة المحبوب بوساطتي وبكمال شفقتها عليك بي ، وبأنها بواسطتي توصلك إلى مقصودك البتّة عن كمال قدرة ورحمة ، ثم بعد هذا يرشده إلى ترك حظوظ النفس والترقّي من حضيض طلب الخلق إلى أوج طلب الحقّ وإلى الثبات على ذلك لنبات القلب ، وإلى مراعاة الصدق والعدالة في الاعتقاد أولا ، وفي الأقوال والأعمال ثانيا ، اللذين هما أساس