فأثنيت لي إلقاء فقري والغنى فضيلة قصدي ، فاطّرحت فضيلتي
يقول : لمّا تحقّقت بحقيقة باطن الفقر واعتباره الثاني المذكور حصل لي ولقصدي وتوجّهي نحو تلك الحضرة بالخلوّ التام فضيلة على غيره من القصود والتوجّهات ، وتلك الفضيلة أيضا وصف وقع نظري عليه ، فاطّرحته به بحكم إذا تمّ الفقر ، فهو اللّه لا بي .
فلاح فلاحي في اطّراحي ، فأصبحت ثوابي ، لا شيئا سواها مثيبتي
لاح الشيء لوحا : لمح ووضح ، والفلاح : الظفر وإدراك البغية .
يقول : لمّا تحقّقت بحقيقة الفقر التامّ بحيث اطّرحت كل وصف وإضافة شيء إليّ ينبئ عن تعيّني وعن بقيّة شيء من أنانيّتي لاح ووضح إذن عقيب ذلك ظفري بمطلوبي وإدراك بغيتي ومرغوبي في عين اطّراحي كل ما سوى حضرة محبوبي ، فأصبحت عين تلك الحضرة ثواب ما اطّرحت لأجلها ، وعلى مقتضى حبّها مخلصا عن شائبة أدنى تطلع والتفات إلى غير عين تلك الحضرة إمّا من آثارها أو آثار أسمائها وصفاتها وما ينسب إليها الغيرية بوجه ما من الوجوه ، وحيث ما التفت إلى شيء سواها كانت هي ، والتحقّق بتجلّياتها وحضراتها ثوابي وجزائي ، ولا يثبتني بشيء سواها ، وذلك من عين منّتها لا بحكم أن يكون هذا الثواب في مقابلة شيء سواها .
وظلت بها ، لأبي ، إليها أدلّ من به ضلّ عن سبل الهدى وهي دلّت
يقال : ظللت وظلت بحذف إحدى اللامين ، ويعبّر به عمّا يفعل بالنهار ، ويجري مجرى صرت ؛ كقوله تعالى :
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 )
[ طه : الآية 97 ] .
يقول : وعندما تحقّقت ببقاء حضرة المحبوب واجتمعت في حضرة جمعها ردّتني إلى عالم التفرقة ، ولكن بسراية حكم حضرة الجمع فيّ حتى أكون في عالم التفرقة بها لا بي ؛ لا جرم صرت أدلّ بها وبسراية حكم هدايتها فيّ ونوريّتها في صفاتي وقواي وأعضائي ، لا بأنانيتي المظلمة كل من ضلّ عن سبل الهداية بنفسه لغلبة أثر يضلّ بها من يشاء عليه ، وغوت بسراية حكم الغضب والخذلان فيها ،