تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
يقول : تركت رؤيتي ذاك ، يعني الذي عملته مخلصا من فعل التقرّب وفعل التقديم ، ولم أرض أن تكون رؤيتي مطيّتي التي تبلغني إلى حضرة محبوبي ، فإن المركب يكل ولم يبلغ إلى المقصد لاتّسامه بسمة الغيرية والخلقية .
ويمّمتها بالفقر ، لكن بوصفه غنيت ، فألقيت افتقاري وثروتي يقال : يمّمت كذا ، وتيمّمت : قصدت . يقول : قصدت تلك الحضرة بخلوّ ظاهري وباطني عن جميع الأوصاف والأغراض حتى عن رؤيتي التخلية بالكلية ، ولكن بوصف هذا الخلوّ القائم بقلبي وعيني غنيت ، فإنه لم يبق لي بسبب ذلك حاجة إلى شيء أصلا ، وعدم الحاجة هو عين الغنى ، فألقيت وصف الافتقار نفسه ، ووصف الغنى والثروة الحاصلة منه ، وفي إيراد لفظ الثروة وإن كان بمعنى الغنى ههنا لكن فيها معنى الكثرة معنى لطيف ، فإنه يقال : إنه لذو وثروة ، أي لذو عدد كثير ، فوصف الفقر والغنى بالنسبة إلى العين الواحدة المطلوبة عين كثرة لتقابلهما . واعلم أن الفقر له اعتباران ، أحدهما : خلوّ حقيقة الفقير عن كل شيء وحكم واستهلالكها في علم الحق إلّا عن استعدادها وطلبها الذاتي ، والثاني : خلوّ حقيقته عن كل شيء وعن استعدادها وطلبها الذاتي أيضا ، وعن إضافة شيء من ذلك إليها . أمّا بمقتضى اعتباره الأوّل ، فالاحتياج لازم للفقير نظرا إلى طلبه واستعداده لقبول الوجود ، فيحتاج إلى كل موجود من حيث وجوده ، ومن ههنا قال من قال : الفقير احتياج ذاتي ، ومن قال أيضا : الفقير يحتاج إلى كل شيء ولا يحتاج إليه شيء . وأمّا بحكم اعتباره الثاني لا يحتاج الفقير إلى شيء أصلا ، فإنه خال عن استعداده وشعوره بذلك ، والاحتياج حكم الاستعداد ومقتضاه ، فلا يحتاج إلى شيء أصلا ، فإلقاء وصف الفقر ينبئ عن الاعتبار الثاني من الفقر ، ومن هنا قال من قال : الفقير لا يحتاج إلى اللّه لفنائه عن وصف الاستعداد والاحتياج ، ولما انتفى عنه الاستعداد الذي هو تمام الفقر أضيف الطلب الاستعدادي إلى الحق من حيث أسمائه الأول ، لذلك قالوا : إذا تمّ الفقر فهو اللّه ، يعني أضيف الطلب الإيجادي والاستعدادي إليه ، لا إلى حقيقة الفقير ، فاعلم ذلك ، واللّه الملهم .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 322 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني