تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
التقرّب شيء إلّا هي ، وقوله : ولم أكن راجيا عنها ثوابا ، كالبيان لقوله : احتسابا لها ، وقوله : فأدنت مفعوله محذوف ، يعني : فأدنتني لذلك ، هذا ذكر تحقّقه بأعلى مقام التوبة ، ثم يذكر بعد تحقّقه بأعلى مقام الزهد في قوله :
وقدّمت مالي في مآلي ، عاجلا وما إن عساها أن تكون منيلتي يقول : إن في معرض طلبي وتوجّهي إلى التحقّق ببقاء حضرة المحبوب لم يكن للدنيا وما فيها من النّعم المحقّقة انمحاقها وفناءها ضرورة قدر وقيمة يجوز ذكرها ، ولكن الآخرة وما فيها التي اتّسمت من وجه بسمة الدوام يمكن ويجوز ذكر تركها والإعراض عنها ؛ لا جرم أقول في معنى البيت وتقديره : وقدمت عاجلا في مبدأ سلوكي ما حصل لي بوساطة الأعمال الصالحة الظاهرة مني قبل شروعي في السلوك وتركي الحظوظ النفسية في ذلك الوقت متطلّعا إلى ما يحصل لي بتلك الأعمال المرضية في مقابلة ذلك الترك في مآلي ، أي في النشأة الآخرة من النعيم والدرجات الجنانية قدمتها عاجلا كلّها ، وقدمت أيضا ما يمكن أن ينيلني حضرة المحبوب بمحض فضلها وامتنانها في النشأة الآخرة في جنّة الامتنان وجنّة الميراث ، ومعنى هذا التقديم ترك تطلّعه إليها واحتسابه بأنها شيء يحصل منه لذّة أو راحة وعدم التفاته إلى ذلك أصلا . واعلم أن الجنان ثلاث ، أحدها : جنّة الأعمال ، وهي التي تتصوّر الأعمال القالبية فيها بصور الأشجار والقصور والغلمان والحور على ما ورد في الأخبار الصحيحة نبأ ذلك ، وثانيها : جنّة الميراث المعنيّة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منكم من أحد إلّا له منزلان : منزل في الجنّة ، ومنزل في النار ؛ فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنّة منزله ، وذلك قوله عزّ وجلّ :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 )
[ المؤمنون : الآيتان 10 ، 11 ] » ، وثالثها : جنّة الامتنان ، وهي حاق وسطها أي الجنات ، وفيها كثيب الرؤية ، وهي محل الرؤية التي لا يحصل إلا بمحض المنّة لا بغيرها من الأعمال ، وتحقيق هذه الجنّات بكيفيّاتها مذكور في الديباجة ، فلينظر هناك .
وخلّفت خلفي رؤيتي ذاك ، مخلصا ولست براض أن تكون مطيّتي يقال : خلفت فلانا ، أي : تركته خلفي ، أي ورائي ، والمطيّة : ما يركب مطاه ، أي ظهره .