الصفات وطلب الحظوظ واستيفائها والاشتغال بها ، وثانيهما : تعلق النفس بذلك ، ثم إن هذه الصفات والحظوظ نوعان : نوع متّصل بالشخص ؛ كالأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك من اللذّات والحظوظ الحسّية ، ونوع منفصل عنه ، كالملك والمال والجاه والحشمة والرئاسة وأمثال ذلك من اللذّات والحظوظ الوهمية التي منها العلوم والحرف ، فالترك والإعراض عن القسم الأول والنوع الأول يسمى توبة ، وعن القسم الثاني والنوع الثاني يسمّى زهدا ، وباقي المقامات الإسلامية كلّها فروع ومتمّمات ومقوّمات لهذين القسمين والنوعين المذكورين .
ثم إن هذا الترك والإعراض في القسمين والنوعين المذكورين إمّا أن يكون متعلّقا بالأمور الدنيوية مبنيّا على التطلّع إلى أمثالها في النشأة الأخروية ، أو غير مبنيّ على ذلك ، والأول مختصّ بالزهّاد والأبرار والسائرون إلى اللّه تعالى بمعزل عن ذلك ، والثاني هو الإعراض المختصّ بالمخلصين ، ثم إن هذا الترك المخلص عن الشوب المذكور إمّا أن يشوبه تطلّع ما إلى أن يقوم مولاهم بكفايتهم الضرورية التي لا يقوم الشخص إلّا بها أو يقيمهم بدون ذلك ، بل يعيّن قدرته مبنيّا ذلك التطلّع على ثقة وطمأنينة ويقين ، فإن كان ذلك الترك مع هذا الشوب أو مع شيء من ذلك سمّي ذلك تفويضا وتوكّلا وثقة ، وداخل في التوبة والزهد في أعلى مراتبهما ، وإن كان مخلصا عن هذه الشوائب فلا يخلو إمّا أن يبقى معه رؤيته ذلك التخليص ووصفه والحضور مع شيء من ذلك أو لا ، فإن كان مع كمال الخلوّ عن جميع هذه الشوائب سمّي فقرا كاملا ، وإن كان الفقر مع حضور وصفه ورؤيته لذلك الوصف ، فهو فقر ناقص ؛ فالناظم رحمه اللّه يذكر تحقّقه بهذه الكلّيات .
ولمّا كان في قطع حظوظ النفس قتلها عن الحياة بمألوفاتها ذكر بلفظ التقرّب بها محتسبا في ذلك التقرّب عين حضرة المحبوب لا سواها من ثواب وغير ذلك ، فقال بلسان التفرقة على صورة الحكاية :
تقرّبت بالنّفس احتسابا لها ، ولم أكن راجيا عنها ثوابا ، فأدنت
تقرّبت بالنفس يعني بقتلها عن الحياة بمألوفاتها وحظوظها بالكلّية ، قوله :
احتسابا لها ، يعني : ما حسبت أن يكون لغير حضرة المحبوب من ذلك التقرّب نصيب ، بل حسبت أن يكون ذلك لها فحسب ، حتى لا يكون لي في مقابلة ذلك