وقد علم من حالك أن حضرة محبوبك قد أعرض عنك مدّة مديدة وأبقاك في حالة الحجابية والعمى عن سواء سبيله مع قدرته على أن يقيمك في غير تلك الحالة التي ظاهرها صورة عداوة وقلى ، فإن كل معاد يختار أن يكون من عاداه في حالة نكرة غير طيبة ولا مستحسنة ، فاستدرك جوابا لهذا القائل ، وقال : وما أسلفت بإقامتي في الحالة الحجابية عداوة منها وقلى بل هي كانت منها محض عناية ورعاية أشرت بذلك في قولي : يشي لي ، فإني في تلك الحالة الحجابية قد أنشأت لي كمالات أسمائية على نحو ما قرّر آنفا وصورا أتقلّب فيها في النشأة البرزخية والحشرية والجنانية والكثيبية في صور راحات ومسرّات ، وكانت تلك الإقامة بي في الحجابية منها عين نظر محبّة وعناية كما قدّمنا ، وقوله : وتمنحني برّا لصدق المحبة فأعطية برّها لي هذا التحقّق بالتجليين ، وفي ضمنها كمالات وتجلّيات كليّة وجزئية غير محصورة ، وقوله : لصدق المحبة ، أي لثباتي في أحكام الحبّ وتمكيني إيّاه من التصرّفات فيّ ومواتاة استعدادي في ذلك كلّه .
تنبيه :
ولما ذكر قيامه بحق الشكر لنعم الحضرة المحبوبية التي أعظمها تحقّقه وبقاؤه بحقيقة بقاء تلك الحضرة ، وتمام هذه النعمة أن يصل أثرها إلى من تكون حقيقته ووجوده فرعا وتبعا لحقيقة هذا الواصل الباقي ببقاء حضرة محبوبه ولوجوده ، وداخلان في حيطتهما حتى يكمل الكل مرة ثانية بكمال فروعه وأجزائه على نحو ما كمل آدم بكلّيته أولا بعلم الأسماء وبأجزائه ، وثانيا بتعليمه إيّاهم بحكم الإنباء ، وهذا الكمال لا يحصل إلّا برجوعه من حضرة الجمع إلى مقام التفرقة بإذن خاص وقيامه في مقام الإرشاد والهداية وأحسن وجوه الإرشاد أن يذكر المرشد حال بدايته وسلوكه مجملا ؛ لأجل فتح بصر المسترشد وبصيرته ، ويكون ذلك سببا لانبعاثه نحو الشروع في السلوك ، وسببا أيضا لتسهيل المجاهدات وترك المألوفات ، ثم يشرع في الكلام بصورة الإرشاد ، فراعى الشيخ الناظم رحمه اللّه هذه الدقيقة وذكر تحقّقه بكلّيات المقامات التي هي التوبة والزهد وكمال الفقر ، ثم شرع في الإرشاد .
وإنما قلنا إن كليات المقامات إنما هي التوبة والزهد وتمام الفقر ، وذلك لأن الحجب الحائلة بين النفس وربّها تنقسم بالقسمة الأولى على قسمين ، أحدهما :