تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
أدّبت بمقرعة
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : الآية 30 ] ، وهؤلاء قوم لا يشقى بهم جليسهم لم يمتنع عن الوشاية . وأمّا اللائم ، فإنما هو وصف الكثرة ومن يليق بمظهريته ، وهي النفس الملهمة التي يلوم سالك سبيل الحضرة المحبوبية عن مقاساة الحرق في الباطن وأنواع الآلام ومعاناة الشدائد وأقسام الأسقام ، ولما فنى عن روحي ونفسي أوصافهما الامتيازية الأصلية منها ، والعارضية المرتبية الخلقية ، واتّصفتا بآثار الأنوار الحقية بحيث تأثّرت نفسي الملهمة التي هي مظهر وصف الكثرة عن أحكام وحدة ظاهر الوجود العيني ، وظهرت من حيث صفاتها الأصلية بتلك الأحكام ، وتأثّرت الروح أيضا التي هي مظهر الوحدة بأحكام الكثرة الحقيقية والنسبية المضافة إلى حضرة العلم وباطن الوجود العلمي ، ورجع المتعيّن الوجود المفاض الظاهر بوصف العاشقية إلى أصله المطلق المفيض بموجب :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : الآية 123 ] ، وكل يرجع إلى أصله واتّحد الشعاع بالنور بحكم :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 )
[ الفرقان : الآية 46 ] ، فظهرت أنا بخصائص الوحدة الحقيقية والنسبية جميعها ، وبأحكام الكثرة الحقيقية والنسبية كلّها بحكم ذلك الاتّحاد على نحو ما قدرت لا على مفهوم العامّة ، فإن ذلك هو الكفر الصريح عندي ، حينئذ بدا حكم الواشي واللائم عندي خلاف معهود سائر العشّاق ، فإن الواشي ومظهره الذي هو الروح لمّا اكتحلت بكحل سراية أثر الكثرة المضافة إلى حضرة العلم وباطن الوجود ، وسراية أثر شهود الكمالات الحاصلة في تينك فيها ، فجميع وشايتها التي كانت عليّ بعرضها في حضرة المحبوب ظهور أتى بصفة الكثرة وأحكامها التي كانت نقصا في نظرها حالتئذ عادت ظاهرة منها بصورة التربية لي لأنها تصفني والحالة هذه بأني أسعى في إظهار كمالات تلك الحضرة المتعلقة تلك الكمالات بظهوري بصورة الكثرة ، فإن كل ظهور بصورة الكثرة كان ما كان متضمّنا كمالا أسمائيّا عائدا إلى عين الوجود ، وإن كان ذلك في نظر البعض من حيث بعض المراتب يظهر بوصف النقصان ، ولكن من حيث النظر إلى إضافة إظهار عين ذلك إلى الفاعل الكامل الحكيم هو عين الكمال ؛ لأن الحكيم لا يفعل ولا يظهر شيئا إلّا وفيه حكمة ومصلحة كاملة ، وإلّا لم يفعل أو لا يكون حكيما ، وتعالى الفاعل الحقيقي عن إضافة النقص إليه ، فعلم بأن الواشي الآن يشي لي ولتربيتي وتقرّبي بي ، أي بظهوري بصورة الكثرة وأحكام النشأة الترابية إليها ، أي إلى الحضرة المحبوبية .