تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
لأجل بسط بساط المعاني والعبارة ، وذلك لعلّة بسطتي ، يعني اتّساعي في العلم والشهود ومعرفة الأمور على ما هي عليه لأخذي حقيقة المعرفة من معدنها الذي هو الحضرة العلمية ، وحيث اتّسع الذات والعلم والمعرفة حان أوان الاتّساع في البيان بإيراد لطيفة أو نادرة مفهومة في أثناء ما أشهدت وعرفت به مثل ما أوردت في هذه الأبيات الثلاث التي تلي هذا ، وهي :
أفاد اتّخاذي حبّها ، لاتّحادنا ، نوادر ، عن عاد المحبّين ، شذّت يقال : شذّ الشيء وندر إذا وقع وحده اتّفاقا ، واللام في قوله : لاتّحادنا لام العلة متعلقة بأفاد ، ويحتمل أن يتعلق باتّخاذي ، والأول أوجه ، يعني : كانت علة وقوع هذه النوادر في حبّنا التي انفردت تلك النوادر به دون عادات سائر العشّاق اتّحادي مع حضرة المحبوب ، ولم يعن ما عنى به أهل الظاهر وهو صيرورة ذاتين ذاتا واحدا ، وإنما يعني به أن يكون الذات عينا واحدا ، وفيض ذلك العين الواحد وشعاعه قد تميّز عنه بوصف كونه فيضا وشعاعا وبأوصاف أخر ، فبزوال تلك الأوصاف المميّزة يبقى ذلك العين الواحد ، واتّحد الشعاع بالعين .
يشي لي بي الواشي إليها ، ولائمي عليها ، بها يبدي ، لديها ، نصيحتي أصل الوشي أن يجعل من الشيء أثرا يخالف معظم لونه ، ولمّا كان النمّام ينقل الكلام مغيّرا صورته ووصفه ومعناه كنّوا عنه بالواشي ، وجميع الضمائر في هذا البيت راجعة إلى حضرة المحبوب . يقول : إنه قد جرت عادة العشاق وأحوالهم وأحكامهم بأن الواشي إنما يتعانى حب المعشوق ونصحه ويغار عليه ممن يدعي حبه ولا يراه لائقا به وبحبّه ، ويكون ساعيا للمعشوق ؛ فلا يزال يتبع معايب العاشق ومساوئه وينقله إلى المعشوق صادقا أو كاذبا ، ويذمّه وينقصه في عين المحبوب ، ويسعى في إبعاد العاشق وإيقاع العداوة بينه وبين معشوقه ، فيكون دائما ساعيا على العاشق لا له . وأمّا اللائم ، فأبدا يلازم العاشق وينصحه ويمنعه عن مقاساة شدائد الحبّ ، وربما يذمّ معشوقه وينقصه في عينه ، ويحمله على التسلّي عنه وعن حبّه ، فالواشي ههنا وصف الوحدة ، ومن يغلب عليه هذا الوصف وهو الروح المشنعة على العاشق السالك بتشنيع ما للتراب وربّ الأرباب ، وبقولها : فلان ليس منهم ، وإنما جاء لحاجة ، ويشنع بتشنيع
يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[ البقرة : الآية 30 ] ، وإن