أمّا قبله ، فإني كنت أحبّ ذاتي وأريد كل خير لها وأدفع كل شرّ عنها ، وأقاسي الشدائد وأباشر الأهوال لإيصال الخيرات والسعادات إليها ، ولم أدر محبوبتي في الحقيقة ما هي .
وأمّا بعد السلوك ، فقد قاسيت لطلبها والوصول إلى جنابها عناء الفناء وأنواع الشدائد والبلاء ، وتجرّعت مرارات المخالفات والمكابدات ، فكانت نفسي محيلة لنفسها عليّ - أعني على عين ذاتي - التي هي الحضرة المحبوبية في الحقيقة ، وهي ربّها ومليكها ومصلح أحوالها عملا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » ، وما كنت أفهم هذه الإشارات وأطلبها من غير مظنّة كونها لأني كنت أفهم من ذلك من عرف نفسه بصفاتها الأصلية عرف ربّه باتّصافه بمثل تلك الصفات ، فلما تحقّقت بالتجليين والحضرة العلمية فهمت وتحقّقت ذلك أنه من عرف نفسه ، يعني وجودها ، عرف أن ذلك الوجود هو عين ذات ربّه .
فهامت بها من حيث لم تدر ، وهي في شهودي ، بنفس الأمر غير جهولة
يقول : إن نفسي عقيب حوالة نفسها عليّ ، أعني على هذه الحضرة المحبوبية التي هي عين ذاتي وحقيقتي أولعت بطلب الحضرة المحبوبية وطلب معرفتها من حيث لم تدر أنها عينها ، ونفسي في عين شهودي ، أي في شهود عين الوجود ، والذي هو باطنها ، أي باطن نفسي غير جهولة بحقيقة الأمر على ما هو عليه ، يعني نفسي من حيث باطنها الذي هو عين الوجود المضاف إليّ في عين الشهود المضاف إليّ من جهة كانت عالمة بنفس الأمر وبحقيقة هذه القضية كما هي ، ولكن من حيث ظاهرها وحجابيتها والاشتغال بأحكام الخلقية والغيريّة غير عالمة بالقضيّة بموجب أصل لا يعرف الشيء بغيره ، والغالب على ظاهر النفس أحكام المغايرة وإثبات الغيرية ، فلا يعرف تلك الحضرة المحبوبية به .
وقد آن لي تفصيل ما قلت مجملا وإجمال ما فصّلت ، بسطا لبسطتي
يقول : ولمّا تفرغت من مهمات التحقّق بالبقاء بالتجليّين الظاهري والباطني بعد انتهاء حكم عناء الفناء مواقع ذلك التحقّق ، ومن ذكر ذلك مجملا ومفصّلا الآن قد جاء أوان ذكر إجمال المفصل وفذلكته وجمعه وتفصيل المجمل وشرحه ؛
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .