تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فيكون بشيء وجودي أصلا ، وحيث لا ظهور - يعني الصور المثالية والحسية - عرشيّا وكرسيّا وأركانا وسماوات وأرضين ومعدنا ونباتا وحيوانا وإنسانا ، وكانت نشوتي يعني من حميّا الحبّ المذكور نعته وصفته قبل نشأتي ، يعني تعلق نفسي بالصور المزاجية على ما أخبر جلّ جلاله بقوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : الآية 14 ] .
فأفنى الهوى ما لم يكن ثمّ باقيا ، هنا ، من صفات بيننا ، فاضمحلّت اضمحلّ الشيء : ذهب ، واستعمل في الفناء وتلاشي الأجزاء . يقول : لمّا كان الحب المذكور مصحوبي في جميع المراتب الحقية والخلقية والأحيان المعنوية والصورية إلى حين تفرّغي لرفع ستر الروح وحجابه الحاصل من صفات طارئة عليها من أحكام المراتب الخلقية في ضمن طرئانها على الوجود المفاض المضاف إليّ أفنى الحب عقيب توجّهي إليه مستغنيا ومستعينا كل شيء عرض وظهر ههنا ، أي في المراتب الوجودية روحا ومثالا وحسّا من صفات حاصلة بيننا - أعني بين الوجود المفاض - الذي حقيقته منسوبة إلى حضرة المحبوب ، وبين حقيقتي وأنيتي ومتعينة تلك الصفات من هذه الهيئة الاجتماعية من هذين الأصلين ، ولم تكن تلك الصفات ثابتة ثمّة في المرتبة الحقية ، ولا مضافة إلى عين الوجود فيها ، فذهبت وتلاشت وانمحقت جميع تلك الصفات العارضة بإفناء الحبّ إياها ، وهي التي كانت أسباب هذا الحجاب والستر وموجباته ، فانهتك الحجاب وانكشف التجلّي الوجودي الباطني العلمي بانكشاف الحضرة العلمية وما تضمّنت من الحقائق الصفاتية وصور معلومية كل شيء ، كانت هذه الصفات والعوارض التي أفناها الحبّ عني جميعها منها ، فإن لكل واحد منها صورة متعيّنة في الحضرة العلمية ووجودا علميّا باطن تلك الصورة ، فبرفع الستر وانكشاف الحضرة العلمية والوجود الباطني بدت لي عين تلك الصفات التي بعضها من مقتضى حقيقتي صادرة منها ، وبعضها وارد على الوجود العيني المفاض المضاف إلى حقيقتي ، فوجدتها جميعها في الحضرة العلمية وحضرة الوجود الباطني بعضها إلى حقيقتي راجعة ، وهي التي كانت صادرة منها ، وبعضها منتشئة مني ، أعني من وجودي .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 312 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني