تميّز حقيقته وأنيّته ، ثم انحلّت بيد الحبّ أيضا عند العهد الثاني بعد التميّز حال إضافة طلب الاتّحاد إلى الحقائق بلسان استعداداتها وقابليّاتها ، ثم حلّ الحب شيئا منها عند ظهوره في عالم الأمر وهو عالم الأرواح ، ثم أفنى كل ما لم يكن مع الوجود في عالمه ثابتا من الصفات الأصلية والتحق بالروح من أحكام المرتبة الخلقية والأوصاف الكونية المختصّة بالروح ، ومن أدنى غبار خفيف متشبّث بأذيالها من أحكام باقي المراتب بسبب أدنى ملابسة تعلق النفس بها ، ورجوعها إلى الروح بطريق الاستمداد منها ، فعند أدنى توجّه وعزم بحكم الحب أفنى الحبّ ههنا جميع هذه العوارض التي لم تكن ثابتة مع الوجود ثمّة في عالمه واضمحلّت وانهتكت الحجب والأستار بالكلّية ، وهذه المعاني التي ذكرتها في هذا التنبيه يذكره في هذه الأبيات ، أوّلها قوله :
إلى كم أواخي السّتر ؟ ها قد هتكته وحلّ أواخي الحجب في عقد بيعتي
المؤاخاة : عقد الأخوّة ، ومنها الأخية وهي عقدة في طرف حبل مدفونة في الأرض لتشدّ الدابة بطرفه الآخر ، والواو في وحل للحال ، يعني : كم أواخي حال كون حل عقدة الحجب واقعا في ضمن عقد بيعة حبي على حذف المضاف ، ولمّا كانت المؤاخاة عقد وصلة وقرابة أخوّة عارضية سريعة الزوال ويسيرة ، لا كقرابة الأخوة الأصلية الحاصلة بين الأخوين النسبيين التي لا تقبل الزوال ، وكان الستر والحجاب الحاصل من صفات الروح رقيقا عارضيّا سريع الزوال يسيره ذكر ملازمة ذلك الستر والحجاب بلفظة المؤاخاة ليفهم أنه قد زال وانهتك بأدنى توجّه ما ، وما احتاج في إزالته إلى معاناة عناء وكلفة على نحو معاناة في إزالة حجب النفس الغليظة العسرة الزوال .
يقول : لما تحققت بعد فناء حجب نفسي بحقيقة بقاء « كنت سمعه وبصره » ، وأحسست بيسير ستر وحجاب رقيق شفاف باق في روحي من صفات طارئة وعارضة عليها إلى كم ألازم ذلك الستر اليسير والحجاب اللطيف ملازمة تنقطع بأدنى توجّه ويسير استعانة بالحب حال كون حل عقد هذا الحجاب واقعا في عقد بيعة حبي الحاصل يوم لا يوم ، وفي عالم الأمر على ما أذكر ذلك في هذين البيتين على أثر هذا البيت المشروح ، اعلم واحضر بأني قد هتكته بيد الحبّ .