تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
فنلت ولاها ، لا بسمع وناظر ، ولا باكتساب ، واجتلاب جبلّة أشار في هذا البيت إلى أن سير نفسه سير محبّي حبه حاصل بالكسب في الجلب ، وحب النفس بالكسب يحصل لها بأحد وجوه ثلاثة ، إما أن يقع نظرا للنفس على مفعول الفاعل المحبوب ، ومنه بوساطته على فعله ، أو يقع النظر ابتداء على فعله ، فيشاهد في غاية الحسن والجمال ونهاية اللطف والكمال ، أو تسمع خبره فوجدته على ما قلنا . وإمّا أن تترك حظوظها ومراداتها وتجرّد نفسها عمّا اتّصل بها بالتوبة غالبا ، وعمّا انفصل عنها بالزهد غالبا وتفرّدها بالخلوّ وهو الفقر ، وفي ذلك كلّه تلازم أوامر المحبوب ونواهيه حتى يظهر فيها حقيقة الحبّ بوساطة اكتسابها المعنى بقوله : « ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه » « 1 » ، أي أظهر حبّي فيه ، وجميع ما ذكرنا من الترك والتجريد والتفريد والتحلية داخل في النوافل . وإمّا أن يجلب الحب بالجبلة - أعني بما خلقت عليه النفس في أصل خلقها - من إظهار خلق سني وشيمة كريمة وصفة جميلة وصف الحقّ تعالى ورسوله ومدح ذاته الأقدس بذلك الخلق والصفة نحو الكريم والشفقة والرأفة والحلم والعفو ونحو ذلك ، وحينئذ يحصل للنفس المجبولة جبلتها ، أي خلقتها بذلك الخلق والصفة مناسبة مع خالقها ، فتجتلب جبلة هذه النفس بهذه المناسبة حبّ خالقها بخلاف سير روحه ، فإن ذلك سير محبوبي بالحبّ الحاصل لها بلا هي ولا بشيء من هذه الوجوه بل حصل لها قبل تعيّنها وتميّزها في العلم الأزلي ولم يزل معها ، حتى أضيف إليه روحه في عالم الأرواح منصبغة بحكم هذا الحب ، ثم بعد تعيّن صورتها الحسية والتفرغ عن سير النفس إلى سير الروح كان ذلك الحب ملازما لها ، فحين استعانت به في رفع الستر وفناء أحكامه هتكه ، ورفع الحجاب بفناء العوارض وكشف النقاب .
وهمت بها في عالم الأمر ، حيث لا ظهور ، وكانت نشوتي قبل نشأتي همت من الهيام ، وهو كناية عن شدّة الحب وغلبته على العقل والحسّ ، وعالم الأمر : عالم الأرواح ، يقال له باعتبار عدم الوساطة بين أمر كن وائتمار
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .