تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وهذا المعنى بعينه يوضحه في البيت الثاني :
ولا غرو أن صلّى الإمام إليّ أن ثوت في فؤادي ، وهي قبلة قبلتي لا غرو : أي لا عجب ، والثواء : هو الإقامة مع الاستقرار ، والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل ؛ كالجلسة والقعدة في التعارف اسم لما يتوجه إليه للصلاة ، ويستعمل في الكعبة بعينها ، والمراد في البيت من القبلة الأولى المعنى الثاني ، ومن الثانية الثالث ، والواو في قوله : وهي للحال ، وإليّ أي إلى جهتي على حذف المضاف ، وإن ثوت : أي بأن ثوت فحذفت باء السببية المتعلّقة بقوله : لا غرو ، تقديره : ولا عجب صلاة الخلق إلى جهتي ونحوي بسبب إقامة حضرة المحبوب في قلبي واستقرارها فيه حال كونها قبلة للكعبة التي هي قبلتي في ظاهر صلاتي التي أقيمها بحكم الشرع حال حضورتي مع نشأتي الحسّية وظهوري بأحكامها ولوازمها . يقول : لمّا كان عين الوجود واحدا وهو الحقّ الذي يفيض من سبحاته وأشعته على الخلق أثرا منه ويضيف ذلك الأثر المفاض إليهم ، كما أن عين الروح التي تنفخ منها الأرواح واحدة ، ويفيض الحقّ سبحانه وتعالى بلا واسطة أو بواسطة ملك من ملائكته من شعاعها ووصفها بالنفخ أرواحا ونفوسا بشرية وغيرها على كل قابل لذلك ، ويضيف ذلك الروح المفاض إلى ذلك القابل حتى يقال : روح زيد وروح عمرو ، ومثل ذلك في الشاهد على وفق قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 27 ) [ الرّوم : الآية 27 ] ، عين الشمس بأنها واحدة وهي النور الذي يفيض من شعاعه المنبسط على السماوات والأرض ، وعلى كل كوة وروزنة أثرا خاصّا أضيف ذلك الأثر الخاص المفاض إلى تلك الكوّة والروزنة ، فيقال : نور الكوّة والروزنة ونور البيت منهما ، وكان ذلك الأثر المفاض المضاف من عين الوجود الواحد فرعا وتبعا لأصل الوجود المتبوع ، وكل فرع وتبع لا بدّ له من التوجّه إلى أصله ومتبوعه والاستمداد منه ، ويجب أن كل ما أضيف إليه أثر من الوجود كان ما كان سواء كان من عالم أمر ، أو من عالم خلق لا بدّ له من التوجّه إلى عين الوجود الواحد الذي هو أصله المفيض عليه ذلك الأثر منه بواسطة أو بغير واسطة ، ولمّا كان للكعبة التي هي قبلتي في ظاهر صلاتي التي أقيمها بحكم الحضور مع