تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وبقي فيه بقيّة من الآثار الخفية أو الجلية حتى حرم بذلك القدر عن حقيقة البقاء تحسد ما أصابه الفناء ، وتحقّق بقدر ذلك بحقيقة البقاء والكمال المتعلّق به روحا كانت أو آثارا خفيّة نفسية ، فالحاسد ما لم يصبه الفناء وفاته البقاء بقدر ذلك ، والمحسود ما لحقه الفناء وخلع عليه من خلع البقاء والنعمة المحسود فيها هي حقيقة البقاء التي من شرطها التحقّق بالفناء .

تنبيه : [ أن الفناء له ثلاث مراتب كلّية ]

واعلم أن الفناء له ثلاث مراتب كلّية يترتب على كل واحد حكم ؛ كالبقاء الحاصل من حضرة من الحضرات الكلّية ، وهي حضرة الظاهر وحضرة الباطن وحضرة الجمع بينهما .

أمّا الرتبة الأولى من الفناء

، فهو فناء النفس بجميع صفاتها العارضة الطارئة عليها من مراتب الوجود المفاض المضاف ، وجميع صفاتها الأصلية المستصحبة لعين وجودها والصادرة عنه ، والبقاء الذي يترتّب على هذا الفناء هو التحقّق بظاهر الوجود الموصوف بالرحمنية والفياضية بغلبة حكم وحدته الحقيقية على الكثرة النسبية المنسوبة إلى أسمائه الحسنى ، وهو ظاهر اسم الرحمن واسم الظاهر ، وهذه الحضرة - أعني الظاهر - يعبّر عنها باصطلاح بعض أهل الحقّ بمقام الجمع وعالم الحقيقة .

وأما الرتبة الثانية من الفناء

، فهو فناء الروح وصفات خلقيّتها وخصائص عالمها المتعلّقة بها والغالبة عليها ، والبقاء الذي يترتّب على هذا الفناء هو التحقّق بباطن الوجود وغيبه وغيب شؤونه ، وذلك مع غلبة حكم الكثرة النسبية المنسوبة إلى الشؤون الذاتية التي هي باطن صور معلومية الأشياء الثابتة في العلم الأزلي المعبّر عن تلك الشؤون الذاتية المنسوبة إلى حضرة باطن الوجود بالوجود العلمي المضاف إلى كل صورة معلومية كان ما كان على حكم الوحدة الحقيقية المنسوبة إلى حضرة الظاهر . واعلم أنه كما كانت الكثرة الحقيقية في النفس ظاهرة ووحدة الوجود العيني الظاهري باطنة مخفية فيها ، فعند فناء ظاهر النفس وكثرتها لا بدّ وأن تظهر وتغلب الوحدة على الكثرة ، ويخفى حكم الكثرة بالكلّية ، وكما كانت وحدة الوجود العيني ووصفها وحكمها الذي هو البساطة ، ونفي التركّب ظاهرة في الروح ، وكثرة
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 301 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني