تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الكامن من كل واحد بحيث يشتمل كل واحد على أوصاف الجميع إلّا بفناء تلك الآثار الخفيّة من حكم القيد والجزئية ، وذلك السفر الثاني والثالث الآتي بيانهما . فيقول : في هذا البيت إن شيئا من الأثر الكامن المختصّ حقيقته بالعين ، وهو الرؤية قد ظهر في أذني ، حتى إنها ترى حضرة المحبوب على البعد عن العين ، يعني في حالة الحجاب ، وتلك الرؤية للأذن إنما تحصل بسبب أن اللائم عند لومه إيّاي على معاناة حب حضرة المحبوب يحضر بلومه صورة تلك الحضرة بهيئة خيالية في حالة اليقظة لا في النوم تزورني تلك الصورة ، فأذني بأثر عينها الكامن فيها ترى تلك الصورة الخيالية وتحظى بها ، وتكون العين في تلك الحالة محرومة عن الرؤية ؛ فلا جرم يغبط العين الأذن لذلك .
فيغبط طرفي مسمعي عند ذكرها ، وتحسد ، ما أفنته منّي ، بقيّتي الحسد له ثلاث مراتب ، أحدها : محمود وهو تمنّي حصول مثل النعمة المحسود فيها من غير زوالها عن المحسود ، وهو المسمّى بالغبطة ، والآخران المذمومان ، أحدهما : تمنّي عين تلك النعمة بزوالها عن المحسود ، وثانيهما : تمني زوالها عن المحسود سواء حصل عليها أو مثلها للحاسد أو لا ، والمراد من الحسد في البيت هو الغبطة لا غير . يقول : لمّا كان العين محروما بالكلّية عن الحظوة بالرؤية في حال الحجاب الذي هو البعد المعنوي ، وكان الأذن محظوظا بالرؤية بواسطة طيف حاضر عند ذكرها بالملام ونحوه ، فكان الأذن ذا حظوة من نعمة عظيمة حرم العين عنها بالكلّية ؛ فلا جرم تغبطها العين ، أي تتمنّى مثل تلك النعمة مع عدم زوالها عن الأذن ، وكذلك لما أحست النفس ببقايا تلك الآثار الخفية التي لم يلحقها الفناء وبحرمانها عن حقيقة البقاء بقدر فوتها من حكم الفناء ، وقد تحقّق بعضها ببقاء « كنت سمعه وبصره » بسبب استيلاء الفناء عليها ، وكذلك أحست الروح لما فاتها من نعمة البقاء والكمال والتحقّق بالأوصاف والأحكام الحقّية بسبب عدم تحقّقها بفناء أحكام خلقيّتها وأوصاف أنيتها ، وحكم التقيّد بإضافة الوجود إليها ، وإنما كان إحساسها بذلك لما علمت من حال النفس وشاهدت تقلّبها في نعمة البقاء ، فاختلست ارتياحا لطلب قرب حضرة المحبوب ؛ لا جرم كل ما لم يلحقه الفناء
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 300 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني