وهذه بداية مقام الغيرة ، ثم إذا حولّ الحبّ وجه المحب عن نفسه إلى محبوبه بحيث يرضى بفناء حظوظه وفناء نفسه ، فإنه يراها حجبا مانعة عن وصوله إلى المحبوب ، حينئذ تظهر الغيرة من المحبّ على المحبوب من نفسه وتعيّنه حتى يريد أن لا يكون إلّا محبوبه بزوال أنيته وتعيّنه ، وإضافة شيء من الموجود وأحكامه إليه لئلّا يزاحم بكثرته وحدة محبوبه ووحدة أسمائه وصفاته ، وهذا وسط مقام الغيرة ، وهذا البيت بلسان هذا المقام ، وما قيل أيضا :
ودع عنك ذكري باللّسان فإنّني * أغار من اسمي أن يقبّل فاكا
بلسان هذا المقام ، وكثيرا ما تظهر العين في هذا المقام من قبل المحبوب على وحدة جماله من المحبّ والآثار الخفيّة من القيد والكثرة المذكورة منه ، حتى يظهر عليه بوصف الهيبة وعظمة جلال إطلاق جماله لئلّا يقدر على الإقدام على إدراكه ، كما ذكر فيما سبق من الأبيات ، وهكذا ربما تظهر الغيرة في هذا المقام من المحبوب على المحبّ من الأغيار وآثار الكثرة والقيود حتى إنه يقيم منه عليه رقباء تمنعه عن التلبّس بحكم تلك الآثار والقيود ؛ كما قد ذكر في الأبيات المتقدّمة .
وآخر مقام الغيرة عند تحويل الحبّ وجه المحبّ عن المحبوب - أعني عن وصف محبوبيته - إلى الحب من كونه عينا لا وصفا ؛ كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسألك حبك » « 1 » ، وقوله : « اللّهمّ اجعل حبك أحب الأشياء إليّ » « 2 » ، وكما قال مجنون [ ليلى ] : شغلني حبّك عنك .
وفي هذا المقام تكون غيرة المحبّ على المحبوب منه ومن نفسه أيضا ، ولسانه أن يقول : أغار عليك منك ، فكيف مني ؟ وإذا عرفت هذه المقامات فاحضر لما نقول في معنى البيت لما ظهر حضرة المحبوب بوصف الغيرة على تجلّيها الحاصل في قلبي ، وعلى صفة وحدته من أحكام القيود والكثرة سرى أثر من تلك الغيرة إليّ حتى إني أغار عليها وعلى حبّها المطلق ، وعلى إطلاق جمالها من نفسي مع آثار خفيّة من حكم القيد والكثرة والجزئية كامنة فيّ وفي صفاتي الأصلية
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء . . . ، حديث رقم ( 1932 ) [ 1 / 708 ] ؛ ورواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة ص ، حديث رقم ( 3235 ) [ 5 / 368 ] ؛ ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 1965 ) [ 1 / 480 ] .