تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
هذه الصفات ومظاهرها قد بقي من حكم القيد والكثرة والجزئية آثارا خفية تباين حكم التجلّي وإطلاقها لم يلحقه الفناء وهو تقيّد كل صفة ومظهر وعضو بوصفه الخصيص به ، مثل تقيد السمع بإدراك المسموعات ، وتقيّد البصر بإدراك المبصرات ونحو ذلك ؛ لهذا ظهر حكم غيرة حضرة المحبوب على وحدة تجلّيها الظاهر في القلب من حكم هذه الآثار المنبئة عن القيد والتكثّر والجزئية ، حتى إنها ظهرت بوصف الهيبة عليها ، وأقامت كل واحد منها رقيبا على نفسه ومثله لئلا يصل شيء من أثر تلك الآثار إلى وحدة التجلّي الساري حكمه في جميع هذه الصفات والمظاهر ، فينصبغ التجلّي بوصف ذلك الأثر ، فكان ذلك الظهور بوصف الهيبة ، وتلك الإقامة للرقبة بحكم الغيرة موجبا لامتناع كل واحد عن ذلك الإقدام ؛ فلأجل هذا المعنى ذكر هذه الأبيات بلسان التفرقة ، مع إشارة خفية بلسان الجمع مع أنه ذكر ظهور التجلّي في القلب وسراية أثره في الجميع ، فكان من حقّه أن يذكر بلسان الجمع ، وأيضا لما أشار بتعيين النفس في معاناة عناء الفناء إلى أنه لم يتفرّغ بعد لفناء أحكام الغيريّة والخلقية عن الروح ؛ لا جرم رجع إلى لسان التفرقة الصرفة ، وذكر سراية أثر الغيرة من حضرة المحبوب على وحدتها السارية في حجبها إليه ، من حيث إنه محب ، ثم صرّح بذكر عدم فناء الروح ، ثم إنه قد بقيت فيه بقيّة منه لم يصل إليها الفناء ، فتحسد على ما فيّ . ثم بعد ذلك يرجع إلى الذكر بلسان الجمع متدرّجا في درجاته إلى أن يترقّى في الذكر إلى وحدة مقام الجمع الحقيقية ورؤيتها في عين الكثرة ، ثم يرجع إلى لسان التفرقة ، ويذكر تفرّغه لفناء أحكام الروح بحكم تأثير الحبّ ، فاستحضر واللّه المرشد .
أغار عليها أن أهيم بحبّها ، وأعرف مقداري ، فأنكر غيرتي حقيقة الغيرة : إنما هي إرادة إزالة حكم الغير وأثره وتعلّقه وقربه عن المطلوب المرغوب فيه مع طلب الانفراد بذلك الحكم والأثر والتعلق والقرب ، ولكن بشرط حصول شيء ما من التمكّن من ذلك ، ويختلف حكم هذه الغيرة وتعلّقها بحسب تحوّل الأحوال وتطوّر الحب في الأطوار ؛ ففي حال البداية عند توجيه الحبّ وجه المحبّ إلى نفسه بحيث يحبّ المحبّ طلبا لحظوظه بوساطته تنبعث الغيرة من المحبّ على المحبوب من الأغيار لينفرد بتعلّقه وقربه منه ، وما قيل أغار عليه من فم المتكلّم من هذا المقام .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 297 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني