تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
جمالها عليّ وعلى جميع صفاتي وأعضائي ، وإعظام تلك الهيبة لتلك الحضرة لديّ ولدى جميع صفاتي وأعضائي ؛ لا جرم ظهر في كل عضو امتناع عن ذلك الإقدام بسبب رهبة وخشية من تلك الهيبة .
لفيّ وسمعي فيّ آثار زحمة عليها بدت عندي كإيثار رحمة لفيّ : أي لفمي ، وأصل الفم فوه ، ومنه ما نقل أن جويرية بالمدينة كانت تستقي بقربة ، فقالت لأمّها : أمسكي فاها غلبني فوها لا طاقة لي بفيها ، والسمع : قوة في الأذن بها يدرك الأصوات ، وقد يعبّر بالسمع عن الأذن وهو المراد ههنا ، كما في قوله :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
[ البقرة : الآية 7 ] ، ويعبّر به عن فعله وهو السماع ؛ كقوله :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
( 212 ) [ الشّعراء : الآية 212 ] ، وقد يعبّر به عن الفهم ؛ كقوله :
سَمِعْنا وَأَطَعْنا
[ البقرة : الآية 285 ] ، أي فهمنا وارتسمنا ، وأثر الشيء : حصول ما يدلّ على وجوده ، يقال : آثر وأثر ، والجمع آثار ، ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضّل ومنه أثرته بكذا ، والرحمة في الأصل رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، ويستعمل في الرقّة المجرّدة تارة ، وفي مجرد الإنعام والإحسان تارة ، وهو المراد ههنا ، وقوله : فيّ ، أي : في قلبي على حذف المضاف .

والمعنى

: يقول إنّ النّفس المنبعث من باطن الإنسان وحداني ، وبمروره على المراتب وعبوره على المخارج وتكيّفه بكيفياتها عند تضمّنه معنى الذكر أو الحمد ، وكل ما يراد ظهوره يصير ذلك النفس الوحداني متكثّرا ، ثم بعد تأثر ذلك النفس الوحداني المتضمّن ذلك المعنى عن آثار تلك الكيفيّات المتكثّرة وتصوّره بصورة الذكر والحمد ونحو ذلك ، يرجع إلى أصله الذي هو القلب بوساطة السمع ، ليوصل ذلك المعنى الذي تضمّنه إلى القلب ليفهمه ويلتذّ به ، أو يتكامل بقوّة ذلك المعنى . ولمّا كان القلب ملآن من تجلّي حضرة المحبوب وجماله الوحداني حينئذ يكون تلك الآثار المتكثّرة الظاهرة من جهة الفم بصورة الذكر والحمد ونحوهما ، الواردة على القلب مزاحمة لوحدة حضرة المحبوب النازلة في القلب ، فتكون لفمي آثار زحمة في قلبي على حضرة المحبوب على هذا الوجه الذي قرّرنا ، وكذلك حكم أذني القابلة للأصوات والنغمات الحاملة معنى الذكر والحمد المتكثّرة تلك
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 294 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني