تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
القلب بحكم حكمة قهرمان الحب إلى مظاهر الصفات الأصلية الذاتية وآثارها ، فإن تعيّنت تلك الأحكام والأوامر من جناب القلب وقصدت النزول بحكم الحبّ إلى مظاهر هذه الصفات الأصلية ؛ كالأذن والعين واللّسان واليد لإظهار كمال لحضرة المحبوب متعلق بذلك النزول ، فتظهر بصورة تصرف به وفيه ، فإن في نظر شهوده لا يكون الشاهد والمشهود والمتصرّف والمتصرّف فيه إلّا هو ، وتسمّى تلك الأحكام من حيث مبدأ ذلك التعيّن والقصد خواطر قلبية ، حيث كان مصدر تعيّنها جناب القلب حينئذ أقامت وعبثت حضرة المحبوب من باطني كالخواطر ، ومن ظاهري نحو هذه المظاهر كل واحد منها على نفسه وعلى مثله رقيبا حافظا ، لئلّا يتجاوز أحد منها طور وحدته وعدالته ، فتعتوره أحكام الكثرة وتخرجه عن حدّ الكمال ، الذي هو الظهور بوصف الحقية إلى حدّ النقصان الذي هو الظهور بوصف الخلقية ، وهذا من باب الغيرة المضافة إلى المحبوب على محبّة من الأغيار . وأصل ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس أحد أغير من اللّه ، ومن غيرته حرّم الفواحش » « 1 » ، فتدبّر تفهم سرّ ذلك وحقيقة معناه ، واللّه المرشد .
فإن طرقت ، سرّا ، من الوهم ، خاطري بلا حاظر ، أطرقت إجلال هيبة الطارق في الأصل : السالك للطريق ، لكن خصّ في التعارف بالآتي ليلا على غفلة ، فيقال : طرق أهله ، وأطرق فلان أغضى ، كأنه صار عينه طارقا للأرض ، أي ضاربا لها بالمطرقة ، والحاظر : المانع ، وأصله من عامل الخطين على الغنم وغيرها ليمنعها من الخروج عنها ، ويمنع غيرها من الدخول فيها . يقول : إذا تعيّن من أحكام حضرة المحبوب أمر مقدّر ظهوره من حيث مظاهر نفسي لإظهار كمال متعلّق بذلك الظهور ، فذلك هو الخاطر ، ثم إذا تنزّلت حضرة المحبوب في ليل غيبها وإطلاقها بغتة إلى ذلك الخاطر وفي ضمنه مختفية حال طروقها من الوهم الذي له مداخلة في جميع الأمور الحقية والخلقية لئلّا يقيد ذلك المجلى ويصوّره بصورة معنوية أو روحانية أو نفسية ، فيتقيّد إطلاق ظهورها بذلك القيد ، وبلا مانع أخذ بمنع ظهورها بوصف إطلاقها لذلك الخاطر من تكيّفه
هامش
( 1 ) روى نحوه البخاري في صحيحه في أبواب عدّة منها : بابإِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ[ الأعراف : الآية 33 ] ، حديث رقم ( 4361 ) [ 4 / 1699 ] . وروى نحوه مسلم في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب غيرة اللّه تعالى وتحريم الفواحش ، حديث رقم ( 2760 ) [ 4 / 3113 ] ؛ ورواه غيرهما .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 290 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني