بفناء إضافة الوجود إلى أنانيّتي ، بل الفناء عن أنانيتي بالكلّية والهلاك والفناء ، لا بدّ وأن يتضمّن الشدّة والعناء ، وكل ما كان متعلّق الفناء أعظم وأقرب كان العناء آلم وأصعب ، ولكن المنى المتعلّق به أحلى وأعذب لقرب المقصد ودنوّ الموعد ، فنفس احتملت عناء جميع مراتب الفناء كلّها ورضيت به وتحقّقت بحقيقته تطلّعا إلى وصول متمنّاها الذي هو القرب والوصل الحقيقي من حضرة محبوبها كانت فداء لها ، فكانت هي جزاءها لا أثر ووصف منها على ما قيل من كان للّه كان اللّه له .
وأحلى أماني الحبّ ، للنفس ، ما فضت عناها به من أذكرتها وأنست
القضاء : فصل الأمر وقطعه ، ويقال : قضى فلان أمر كذا ، أي فصله وأنهاه إلى آخره ، ومنه قوله تعالى :
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً
[ الأحزاب : الآية 37 ] أي فصله وأنهاه إلى آخره .
وتقدير البيت
: وأحلى الأماني الحاصلة لنفسي من الحبّ والمنبعثة منه إليها شيء قضت ، أي فصلت وأنهت عناء نفسي إلى آخره بذلك الشيء حضرة محبوبي التي من وصفها أنها أذكرت نفسي أماني وصلها بواسطة حبّها وأنستها بالوصل جميع أمانيها ، بل عينها وأنيتها كلّها ، فيكون من محله الرفع بالفاعلية وفعله قضت ، فإنه يستوي فيه التذكير والتأنيث والمفعول عناها ، والباء في به للسببية ، وأذكرت وآنست صلة من ، وضمير الهاء فيهما يرجع إلى النفس والألف واللام فيها قاما مقام الإضافة ، ومحل ضمير الهاء نصب بمفعولية أذكرت وأنست ، والمفعول الثاني لأذكرت وهو الأماني محذوف ، ومفعولي أنست وهما النفس وأمانيها وعينها وأنيتها أيضا محذوفان ، وأحلى مبتدأ ، وما قضت خبره .
والمعنى
: يقول لما وضع الحبّ عن ظهر نفسي أوزار جميع آثار الانحرافات وأزال عنها كل ما كان فيها من أحكام الكثرة والامتياز العارضة من أحكام المراتب الأصلية من النعوت والصفات ، ممنيّا إياها بأنواع الأماني من حضرة المحبوب ، فتحتمل النفس لذلك أصناف عناء الفناء رجاء حصول المطلوب ، وهكذا كان الأمر إن بدت وحدة حقيقة القلب التقيّ من كل نوع من أنواع الميل والانحراف ، النقي عن كثرة النعوت والأوصاف تجلّى حينئذ في هذا القلب التقيّ النقي من ظاهر الحضرة الرحمنية الذي هو صورة تلك الحضرة ؛ كما ورد في الخبر : « أن اللّه خلق