تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
آدم على صورة الرحمن » « 1 » تجلّ وحداني استهلك به وفيه تعيّن وجود نفسي ، وإضافته إليها وأنيتها بالكلية بحيث لا يبقى ولا يذر منها لا عينا ولا أثرا على وفق ما أخبرتني بقولها : ولم تفن ما لا تجتلى فيك صورتي ، وبقيت هي والصفات الأصلية منها حينئذ ببقاء هذا التجلّي المشار إلى هذا البقاء « بكنت سمعه وبصره » « 2 » ، وانتهى بهذا البقاء عناء فناء نفسي إلى آخره ، فإنه ما أبقى هذا البقاء شيئا من عناء الفناء فيها البتّة ، فكان أحلى أماني الحبّ للنفس هذا البقاء المذكور الذي أنهى تجلّي حضرة المحبوب عناء فناء النفس به إلى آخره ، بحيث لم يبق بعده عناء البتّة ، وحضرة المحبوب كانت بواسطة الحبّ ولسانه يذكر النفس قبل التجلّي لهذه الأماني ليتحمل عناء الفناء ، فلما تجلّت أنست النفس عينها وأمانيها بالكلّية ، فإنه لا أثر بعد العين ولا خبر هنالك عن كيف أو متى أو أين .
أقامت لها مني عليّ مراقبا ، خواطر قلبي ، بالهوى ، إن ألمّت القيام على أضرب : قيام بالشخص إما بتسخير ، كقوله :
قائِمٌ وَحَصِيدٌ
[ هود : الآية 100 ] ، وإمّا باختيار كقوله تعالى :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
[ الزمر : الآية 9 ] ، وقيام هو بمراعاة الشيء وحفظه عمّا يسوؤه ؛ كقوله :
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ
[ المائدة : الآية 8 ] ، وقوله :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ
[ الرّعد : الآية 33 ] وهو المراد في البيت ، وقيام بمعنى العزم ؛ كقوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
[ المائدة : الآية 6 ] ، والإلمام : النزول ، والبيت جملة شرطية تقدّم الجزاء على الشرط ، والفاعل في ألمّت هو الضمير المستكن فيه الراجع إلى خواطر قلبي ، وفي أقامت ضمير حضرة المحبوب ، والباء للمصاحبة . يقول : لما تسيطر وتسلّط على ولاية نفسي قهرمان « 3 » الهوى ، ونصب في صدر دار المملكة سويداء القلب المستوي ، واستوى عليه سلطان التجلّي الظاهري الرحمني الوحداني من حضرة المحبوب الحقيقي بصفاته الأصلية الذاتية المنفي عنها حكم أنها غير وسوى انبسطت أحكام حضرة المحبوب النافذة وأوامرها المطاعة في أطراف المملكة وأقطارها متنزّلة تلك الأحكام والأوامر من جناب
هامش
( 1 ) رواه الدارقطني في الصفات ، حديث رقم ( 48 ) [ 1 / 37 ] . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) القهرمان : هو المسيطر الحفيظ على ما تحت يديه . ( العين للفراهيدي ) .