المكني عنها بالجوانح بملابسة البطون ، صنت أنا وحفظت هذا السر عن أصل فكري ومحل إصابته ، لئلّا يطّلع عليه فيردّده فيقف عليه الغير وتنخرم عليّ قاعدة حفظ السرّ .
وبالغت في كتمانه ، فنسيته ، وأنسيت كتمي ما إليه أسرّت
المبالغة في الكتمان أن تكون كناية عن كمال رعاية التجرّد والتفرّد عن الأحكام الجزئية والصفات الأصلية من جهة كثرتها المتعلقة بمظاهرها بالكليّة أصلا ، والنسيان كناية عن إعراضه عن إمداد الوجه الذي يلي عالم كثرة الطبيعة من النفس بسبب كمال توجّهه وإقباله على مفيضه المتجلي في القلب بحكم قرب المنزل ودنوّ الموعد ، كما عبّر في الكتاب العزيز بالنسيان كناية عن الإعراض في قوله عزّ من قائل :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التّوبة : الآية 67 ] ، أي أعرضوا بالانهماك في الشهوات عن التوجّه إليه وعن مراعاة أمره ونهيه ، فأعرض عنهم بقطع المدد من الرحمة الاختصاصية المعنية بقوله :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : الآية 156 ] الآية .
وقوله : وأنسيت كتمي ما إليه أسرّت ، يعني : لما أعرضت عن الغير وأقبلت بكليتي إلى جنبة مفيضي وأصلي أنصب عليّ من خصائص رحمته وأقسام قبضه انصبابا شغلني عني وعن كل ما يبدو مني من الأحكام والأوصاف بحيث تلاشى السرّ والمسرّ وجهه الكتمان وقبول السرّ عني جملة واحدة ، وذلك معنى قوله :
وأنسيت كتمي ما إليه أسرّت .
ثم رجع إلى لسان الجمعية والأنانية ، فقال :
فإن أجن من غرس المنى ثمر العنا ، فللّه نفس ، في مناها ، تعنّت
أجن من جني الثمرة ، واجتناها قطفها وجمعها غضّا ، ويقال : عنى بالكسر عناء نصب وتعب وعنيته فتعنى ، مثل أتعبته فتعب ، وقوله : فللّه نفس : كلمة استعملت في الدعاء ؛ كقولهم : للّه أبوك وللّه درّك ، وتحقيق معناه : ليكن هو بجميع أوصافه للّه حتى يكون اللّه في مراضيه أو مقام أوصافه له عملا بقوله : من كان للّه كان اللّه له ، ويحتمل أن يقول هذا ههنا على سبيل الإخبار عن الواقع ، يعني على التقديرين إن غرست شجر منى القرب والوصل في أرض النفس ، واجتنيت ثمر عناء الفناء ، فإنه لا تقوم تلك الشجرة إلا بفناء الأوصاف العارضة والأصلية ، بل