وذلك معنى قوله : « يغالط بعضي عنه بعضي صيانة » ، ولمّا أزال الحب عن النفس وجميع صفاتها الأصلية ومظاهرها جميع أحكام الانحرافات ، بحيث لم يبق في واحد منها حكم وأثر انحرافي أصلا صار الصدق وصفا لازما ذاتيّا للّسان ، بحيث لا يكاد يبدو منه غيره ، فيصدق اللّسان أنه بخفي هذا السرّ يبدو كذب النفس في دعوى إخفائها هذا السرّ ، فإن الأذن مسلّط على اللسان طبعا ، فحيث بدا من اللّسان صدق في هذه القضية يقف على مضمونه الأذن ، فلم يبق مخفيّا عن الغير فيبدو كذب دعوى الإخفاء لا بدّ ، وذلك معنى قوله : « وميني في إخفائها صدق لهجتي » .
ولمّا أبت إظهاره ، لجوانحي ، بديهة فكري ، صنته عن رويّتي
البديهة والبداهة : اسم من بدهه أمر ، أي فجأه ، والرويّة : الفكر الصائب ، ولما كان الفكر قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم ، فتارة كان مستعمل هذه القوة العقل ، ومرة يستعملها النفس ، ووقتا يستعملها الروح ، وطورا يستعملها السرّ ، وكرّة تستعملها الأنانية ، وهي الهيئة الاجتماعية منها إلى نسبة إضافة الجميع إليها على السواء ، وكذلك إسناد الفعل إلى الناطق المخبر تارة من حيث الهيئة الاجتماعية المذكورة ، ومرة من حيث واجد من النفس والروح أو العقل والسرّ بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء .
وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن ياء الإضافة في جوانحي وفكري ورويّتي وإسناد فعل الصون في صنته كل ذلك عائد إليه من حيث سرّه الوجودي بدليل قوله في البيت الذي يلي هذا البيت :
وأنسيت كتمي ما إليه أسرّت
ومعنى البيت
: يقول : بلسان السرّ لما أسرت النفس إلى سرّ التمنّي المذكور التزمت رعاية وظيفة حفظ السر الذي هو من أعزّ الأوصاف الحميدة ، فحيث أحسست من بديهة فكري الذي لا يعمل ولا قصد لي فيه ، فإن أمثال هذه الأوليات مضافة إلى الحضرة الحقيّة الصرفة بأنها تأبى إظهار هذا السرّ إلى الصفات الأصلية
هامش
-قلبي يحدّثني بأنك متلفي * روحي فداك عرفت أم لم تعرفوالقصيدة من البحر الكامل وتفعيلته هي :كمل الجمال من البحور الكامل * متفاعلن متفاعلن متفاعلن