تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
والتشنيع ، يقول : ما للتراب وربّ الأرباب ، فاعلم واستحضر لبّك بما نقول تفز بالمقصود إن شاء اللّه تعالى .
أسرّت تمنّي حبّها النفس حيث لا رقيب حجى سرّا لسرّي وخصّت الحجى : العقل ، وقوله : لسري ، أي : إلى سري ، وسرّا نصب على الحال بيان هيئة الفاعل وهو النفس ، أي أسرّت حال كونها سرّا ، أي مستورا عن الأغيار لدخولها مقام السرار ، والألف واللام في النفس قاما مقام الإضافة . يقول : لما تحقّقت نسبة نفسي إلى مقام السرار وأمست سرّا ، أي مستورا عن الأغيار حتى عن جميع الأوصاف الأصلية والآثار وغاب عنها رقيب العقل الغالب حكم تنزيه ما للتراب وربّ الأرباب المانع عن إظهار أسرار أحكام الحبّ ؛ كالتمنّي ونحوه ، عرضت في هذا الحال سرّ تمني الوصل الذي هو من أحكام الحبّ على السرّ الوجودي الظاهر عليها أثره من جهة أنه ظاهر في باطنها ، والمقصود من هذا أنه قد ظهر الحبّ في النفس ظهورا تامّا بحيث حملها على إظهار ذلك السرّ تنبيها له وتحريضا على التعرّض بحقيقة الوصل ، وإنما خصّته بهذا السرّ لرجوع حقيقة هذا التمنّي إليه ، فإنه لا يدرك الشيء بغيره ، فافهم .
فأشفقت من سير الحديث بسائري فتعرب عن سرّي ، عبارة عبرتي الإشفاق : عناية مختلطة بخوف ؛ لأن المشفق يحب الذي يشفق عليه ، ويخاف ما يلحقه ، فإذا عدى بمن يكون معنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدّى بعلى يكون معنى العناية فيه أغلب ، والإعراب : البيان ، يقال : أعرب عن نفسه ، أي بيّن ما فيها من الإرادة ، والفاء في فتعرب للسببية داخلة في المسبّب . يقول : فخفت ، أي خافت نفسي من أن يسري أثر هذا الإسرار في سائر صفاتي الأصلية المذكورة ، أي في مظاهر السمع والبصر والقول والفعل ، مثل الأذن والعين واللّسان واليد الثابتة فيما يلي وجه النفس ، التي لها نحو عالم كثرة الطبيعية وحكمها التدبيري ، فهيّج فيها قلقا وشوقا بسبب تأثير الحبّ فيها تأثيرا بيّنا ، ويصير ذلك سببا لظهور العبرة ، فتعرب العبرة عن سرّي المستور عند الأغيار ، فتنقطع نسبتي عن مقام التفرّد والسرار ويحجب بين نفسي وبين القلب ، وتنقطع عنها مواد غلبة أحكام الحبّ ويسدّ على وجهها باب تمنّي الوصل ، ويمنع الفرع عن الالتحاق بالأصل .