وأما وجهها الثالث ، فهو مما يلي السرّ الوجودي المضاف المفاض بطريق المدد كل آن على جسمه المستمدّ ذلك السرّ من الوجود المفيض الظاهر في القلب التقي النقي بعد ظهوره وتعيّنه عند خفة ظهر النفس من أوزار أحكام وجهها الذي يلي عالم الطبيعة ، وفي كل وجه من وجوهها الثلاث يلازمها حكم هذه الصفات الأصلية ، ولكن بحسب حكم ما يلي وجهها من غلبة حكم الكثرة والوحدة ، وكذلك يظهر حكم هذه الصفات الأصليّة في السرّ الوجودي المفاض ، وفي المفيض أيضا بحسبه ؛ إلّا أن في المفيض يصان حكم وحدتها بالغيرة لئلّا يداخله أثر من حكم وجه النفس الذي يلي كثرة عالم الطبيعة والأحكام التدبيرية وحظوظها ، ويصير ذلك موجبا للحجاب والحرمان ، فمقاساة النفس شدائد العناء لأجل ردّ وجهها عن جهة الكثرة ، ولتخفيف ظهورها عن أثقال أحمال الكثرة وأحكامها ، وكلّما يصير ظهرها أخفّ كان عناؤها أشدّ ؛ لأنها حينئذ تشيم برق الوصل ، فيشتدّ هيجان نيران الطلب والشوق ، إلى أن يظهر القلب ويتجلّى السرّ .
وإذا عرفت هذا ، فاعلم أنه لمّا تحقق خفّة ظهر النفس عن أوزار أحكام كثرة الصفات العارضية وقوي عليها وفيها ظهور أحكام الحب وصفاته من شدّة الشوق ، وتمنّي الوصل والقرب والتخلّق والتحقّق بأوصاف حضرة المحبوب وأخلاقه وأسمائه ، وظهرت بينها وبين سرّه الوجودي الخاص المفاض عليها من حضرة المحبوب بطريق المدد من حيث الوجه الخاص مناسبة ونسبة ما من جهة التجرّد عن كثير من أحكام الكثرة ، والإعراض عنها والإقبال على وجه يلي الوحدة حينئذ انبعث من باطنها عرض تمنّي الوصل الذي هو من أحكام الحبّ الغالب عليها الآن على سرّه الخاص الوجودي الظاهر أثره وحكمه عليها بسبب زوال أحكام الكثرة عنها ، وتخصّها بذلك لكونه هو محل حصول المقصود دون النفس المطمئنة والروح الروحانية لاتّسامهما بسمة الحدوث والخلقية ، وإنما أضاف التمنّي إلى الحبّ لأن الحب هو الذي تمنى دائما للمحب بما وراء ما كان متحقّقا به من مراتب الوصل والكمال ؛ لئلّا تسكن سورة جدّه في السير والطلب ، وحتى تجلو للنفس معاناة عناء الفناء بذلك ، وإنما أضاف فعل التمنّي إلى النفس لأنه لا يحصل للنفس من الوصل إلا التمني ، وهو المقدر بنشأتها ومرتبتها في درجات الجنّة ، وإنما تحظى بحقيقة الوصل السرّ الوجودي ، لهذا خصّته بهذا السرّ ، وإنما أسرت خوفا من اطّلاع العقل على ذلك ، فيقوم بالمنع
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 283
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٨٣