تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ولمّا كانت الصفات التي تصدّى الحب لإفنائها ثلاثة أقسام ، أحدها : الطبيعية الشهواتية المختصّة بجلب النفع ، وثانيها : الحيوانية الغضبية المعدّة لدفع الضرر ، وثالثها : النفسانية الإنسانية التي بعضها عارضية ، كالعلوم والمعاملات والأخلاق والأحوال والأعمال العارضة على الوجود المفاض المضاف في المراتب الكونية ، وبعضها أصلية كالسمع والبصر والكلام والقدرة اللازمة لعين الوجود مطلقا ، ويضاف إليها القدم ، ومقيّدا ويضاف إليها الحدوث ؛ ففي هذه الأبيات الثلاثة يشير في كل بيت إلى نفي قسم منها ، ففي الأول الأول ، وفي الثاني الثاني ، وفي الثالث الثالث ، وفي هذا البيت يجمع الأقسام الثلاثة ، فبقوله : فلا باب لي يغشى ، يشير إلى فناء القسم الثالث كلّها أصليها وعارضيها ، وبقوله : ولا جاه يرتجى يشير إلى فناء القسم الأول من الصفات ، وبقوله : ولا جار لي يحمي لفقد حميّتي ، يشير إلى فناء القسم الثاني منها .
كأن لم أكن فيهم خطيرا ، ولم أزل بهم حقيرا في رخاء وشدّة يقول : لمّا تحقّقت بالفقر والخلوّ ، وخفيت أوصافي كلّها واستترت ، بل انمحت وانمحقت بحيث لا يظهر شيء على ظاهري وباطني من الأوصاف الوجودية للأغيار ؛ لدخولها في دائرة الاستسرار ، فعددت لذلك من المطرودين والمحجوبين بين القوم ، فلم ينظروا إليّ إلا بنظر الازدراء والاحتقار وأعرضوا عن ما رأوني فيما تقدم ظاهرا فيهم متحلّيا بحلية العلوم والمعاملات والتقلّب في أطوار المقامات والحالات ومعرفة حقائقها ودقائقها ، حتى أصبحوا كأنهم ما شاهدوا مني نباهة وشرفا ، وقدرا وخطرا وهمّة ومعرفة أصلا ؛ لعدم ظهوري لهم الآن بشيء من ذلك ؛ وكأني لم أزل كنت حقيرا في نظرهم في حالة رخاء التقلّب في المقامات والعلوم والمعارف والمكاشفات في دائرة مقام الإيمان ومبادئ مقام الإحسان ، وفي حالة شدّة المجاهدة والمكابدة في دائرة مقام الإسلام .
فلو قيل من تهوى ، وصرّحت باسمها لقيل كنى ، أو مسّه طيف جنّة يقول : ولما ظهرت عندهم ذليلا مهينا مطرودا مسلوبا لا أصلح لشيء من أنواع الخدمة لهم ، كيف يروني في معرض كوني محبّا أو محبوبا بالنسبة إلى حضرة جلال المحبوب الحقيق ؛ فلا جرم لو سألوني على الهزء والتهكّم لمن تهوى وما متعلق طلبك وإربك ، وأنا أصرّح بذكر تلك الحضرة لا بدّ وأن يقولوا : كنى