عندهم منزلة وقدر وعزّة ، مثل القوة والاستيلاء والمال والجاه الجالبين لإيصال الخير إلى الأولياء والدافعين لشرّ الأعداء ، ومثل العلوم والمعاملات والأحوال والمكاشفات ورفع العادات ورعاية الحرمات ، أو ترك ذلك والخروج عنه بعد أن كان ظاهرا عندهم حالة سلوكه وقبله بجميع هذه الصفات على وجه أعلى وأكمل مما يظهرها غيره ، فلا جرم يعدّونه من المردودين المطرودين والمسلوبين المحجوبين ؛ لأنه قد صحت له بمناسبة خفاء أحواله تعلّق ونسبة إلى مقام الاستسرار الذي مقتضاه عدم الظهور بشيء من أحواله لدى الأغيار ، فمن هنا إلى اثنا عشر بيتا يذكر بلسان هذا المقام ؛ ففي الأول يشير إلى فناء صفاته الطبيعية والشهواتية ، وفي الثاني إلى عدم ظهوره بشيء من أوصافه الحيوانية الغضبية بفنائها ، وفي الثالث وما بعده يشير إلى عدم ظهوره بشيء من أوصافه الإنسانية العارضة منها والأصلية .
ذللت لها في الحيّ حتى وجدتني ، وأدنى منال عندهم فوق همّتي
الذلّ - بالضم - ضد العزّ ، وبالكسر ضدّ الصعوبة .
يقول : ظهرت بانتفاء العزّة وثبوت الذلّة بين حيّ أهل الشريعة والطريقة بسبب حب حضرة المحبوب ونفيه جميع الصفات الطبيعية ، والرغبة في شيء من شهواتها بحيث وجدت ذاتي عندهم مسلوبا ومطرودا ، وتفرّست منهم بأنهم يعتقدون في أنه كل ما ينال به أدنى شيء مما يرغب فيه ويشتهي ذاك هو فوق منتهى همّتي ومقتضى نهمتي .
وأخملني وهنا خضوعي لهم ، فلم يروني ، هوانا بي ، محلّا لخدمتي
أخملني : أسقط اعتباري ، ونباهتي : تواضعي لأهل الحيّ المذكور لأجل ضعفي بعدم الظهور بوصف كمال فضيلة ، وعدم الظهور أيضا بصورة الحمية والغيرة عند كبرهم عليّ وتنقيصهم لي ، ونظرهم إليّ بعين الصّغار والنقصان والخذلان حتى إنهم لم يروني بسبب ذلك الضعف أهلا لخدمة أصلا ، لا خدمة تتعلق بمولاهم من الأذكار والأفكار والمعاملات المتعلّقة بدفع شرّ النفس والشيطان ، ولا لخدمة تتعلق بهم من رعاية الحقوق والآداب والذبّ عنهم والحماية لأعراضهم وأموالهم وعدم رؤيتهم إياي أهلا للخدمة إنما كان لأجل إهانتي واستحقاري ، لكوني محجوبا مطرودا مسلوبا مردودا عندهم على أني كنت فيما