قبلي عزيزا عندهم مهيبا مكينا في نظرهم ، لكوني وقتئذ ظاهرا عليهم بوصف العلوم والمعاملات وأنواع الكمالات .
ومن درجات العزّ أمسيت مخلدا إلى دركات الذّلّ من بعد نخوتي
مخلدا : أي مائلا ، والنخوة : الكبر ، والعظمة : يقال انتخا فلان علينا ، أي :
تكبّر وتجبّر ، والدرجة كالمنزلة لكن باعتبار الدني من سفل إلى علوّ ، وباعتبار الهوى من علوّ إلى سفل يسمّى دركا ، ومنهما درجات الجنّة ودركات النار .
يقول : إني قد كنت حال سلوكي وبدايتي ظاهرا بوصف المجاهدات والمعاملات والأخلاق والعلوم والأعمال القلبية والقالبية عن ظنّ أنها وسائل وأسباب لحصول المقصود الحقيقي ، وكانت لنفسي بذلك نخوة وعظمة وكبر على غيري ، فلمّا غلب سلطان الحبّ على إقليمي ظاهري وباطني ، ونادى فيهما منادي الغنى الذاتي ، بقوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : الآية 91 ] و
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ العنكبوت : الآية 6 ] ، وسبحان من لا يوصل إليه إلّا به ، وأفهمني سرّ قبل من قبل لا لعلّة ، وردّ من ردّ لا لعلّة ، حينئذ انقطعت جميع تلك الأسباب وارتفعت تلك الوسائل ؛ لا جرم ملت من تلك الدرجات العلمية والعملية والخلقية والحالية وحصول العزّة والنخوة بها إلى دركات العجز والفقر والنقص والقصور والذلّة بها ، ورجعت تلك الأوصاف إلى أصلها الذي هو عين الوجود ، وبقيت أنا فريدا منها فقيرا محتاجا ذليلا مهينا بلا حكم ولا وصف نفساني أو روحاني ، فليس لي من أبواب الكمال والفضيلة باب يغشى للاستعانة ولا جاه ولا حمية أصلا .
فلا باب لي يغشى ، ولا جاه يرتجى ، ولا جار لي يحمى لفقد حميّتي
أراد بقوله : فلا باب لي يغشى من أبواب الكمالات والفضائل الدينية والدنيوية يؤتى إليه لاستفادة خير وكمال وفضيلة دينية أو دنيوية منه ، لاستهلاك جميع ذلك بيده الحب في عزّة وحدة حضرة المحبوب ، ولما عرفت بين أهل الحيّ بعدم العقل والتمييز والمعرفة ، واشتهرت بكوني محجوبا مطرودا ، فمن أين لي جاه يرتجى في قضاء حاجة أو خير ديني أو دنيوي ، ولما فني عني جميع الحمايا من بقايا النفس ، والحمية التي يحمي بها الجار من الصفات النفسية قد فنيت بالكلّية ، فكيف يحمي لي جار في هذه الحالة .