فإن قلت : قوله : بغير البعد إن يرم يثبت ، يفهم من هذا القيد أنه يضطرب ولا يثبت إن رمي بالبعد ، وذلك يخالف التحقّق بمقام الرضى الذي هو من مبادئ المقامات الإيمانية ، فكيف يكون في مقام المحبّة الذي هو من المقامات الإحسانية ، بل يناقض قوله : ولو أبعدت بالصبر والهجر والقلى وقطع الرجا عن خلّتي ما تخلّت ، وقوله : وإن فتن النساك بعض محاسن لديك فكل منك موضع فتنتي ، ويخالف قولهم أيضا : أريد وصاله ويريد هجري ، فأترك ما أريد لما يريد ، ونحو ذلك .
قلت : يندفع هذا كلّه بأنه جعل الرامي بالبعد مجهولا غير معين ، وفائدة ذلك إن كان الرامي بالبعد هو المحبوب بلا واسطة يتلقّى ذلك بالثبات والرّضى ، ويترك ما يريد لما يريد محبوبه على مقتضى ما أورد عليه من الأبيات ، ولكن إذا كان الرامي بالبعد نفسه لمطالبة حظّ من حظوظها ، وبما يخالف الشريعة العامة أو الطريقة الخاصّة التي هي طريقة المحبة حينئذ يضطرب ولا يثبت على مقتضى حكم الشرع والطريق معا .
قوله : بغير البعد إن يرم يثبت سواء كان الرامي محبوبه أو نفسه ، وبالبعد يثبت أيضا إن رماه محبوبه ، وإن رمته نفسه لا يثبت كما قلنا .
وقد صرت أرجو ما يخاف فأسعدي به روح ميت للحياة استعدّت
الإسعاد : الإعانة ، ولم يستعمل هذه الصيغة إلّا في البكاء خاصة ، وأريد بها ههنا عامّة .
يقول : فأنا الآن بحكم هذه المقدمات التي ذكرت فيما سبق من الأبيات صرت على التحقيق أرجو وأطلب شيئا يخاف ويهرب منه غيري من عموم الخلائق ، وهو الموت ومفارقة هذه الحياة الحادثة الفانية التي هي منشأ طلب الحظوظ النفسية ومراداتها ، وهي موت على الحقيقة لكونها مانعة عن الإحساس بالحياة الباقية والأمور الدائمة ، وحصول هذا المرجوّ ونيل هذا المطلوب تماما على ما أشرت فيما نبهت بقولك : ولم تفن ما لا تجتلي فيك صورتي في قبضة تصرفك ومتعلق بمددك ومعونتك ، فأعيني وأمدي بحصول هذا المرجو والمطلوب ، أعني بالموت عن هذه الحياة الفانية الزائلة روح هذا الميت ، أعني روحي المستعد لقبول الحياة الباقية الدائمة بسبب شعورها بأن هذه الحياة الحاضرة القائمة بها موت عن