بإتلاف مهجتي قد أنعمت عليّ بنعمة عظيمة ، ومنّة جسيمة حيث قربت منزلي وخفّفت حملي .
فإن صحّ هذا القال منك رفعتني ، وأعليت مقداري ، وأغليت قيمتي
يقول : هذا الذي جرى على لساني وهجس في ضميري أنك تتلفين مهجتي وتقربين منزلي مثل فال يتفاءل به في الأمور المهمة من كل حركة وسكنة ولفظة يظهر من كل شيء يبشّر أو ينذر بحسب ما يفهم منه بحكم المناسبة الحالية أو اللفظيّة ، فإن صحّ هذا الفال وأسعفتني بهذا السؤال فقد رفعتني من ضعة البعد بهذه الحياة الفانية والبقاء العادية إلى القرب من البقاء الأبدي واللّقاء السرمدي ، وأعليت مقداري من دنوّ غلبة أحكام الحدث والخلقية إلى علوّ الزلفة من التحقّق بغلبة أحكام القدم والحقية ، وأغليت قيمتي مما لا يسوى بشيء إلى ما لا يساويه شيء .
وها أنا مستدع قضاك وما به رضاك ، ولا أختار تأخير مدّتي
قوله : مدّتي ، أي : تأخير مدة أجلي على حذف المضاف .
يقول : وها أنا طالب دعوة حكمك إيّاي إلى الموت ، وإلى كل ما ترضين به من أنواع الهلاك والفناء ، ولا تأخير مدّة إجابتي لتلك الدعوة ، بل أسارع إلى إجابتها في الحال ، بلا وقفة وإمهال .
وعيدك لي وعد ، وإنجازه منى وليّ بغير البعد إن يرم يثبت
الوعد يكون في الخير وفي الشرّ معا ، ولكن استعماله في الخير أكثر ، يقال منه : وعدته بنفع وضرّ وعدا وموعدا وميعادا ، والوعيد في الشرّ خاصّة ، ولا يستعمل في الخير ، يقال منه : أوعدته وأوعدته وتواعدنا ، هكذا في اللّغة .
يقول : وعيدك بالقتل والإهلاك والفناء الذي هو بالنسبة إلى سائر الخلق شرّ مرغوب عنه ومرهوب منه هو وعد لي بالنسبة إليّ بخير ونفع ومبشّر لي ببلوغ إلى مقصود وحصول مطلوب مرغوب فيه ، وإنجاز ذلك مني محبّ قريب من نهاية مراتب الحبّ المسمّى بالولي الذي من جملة أوصافه أنه إن رومي بسهم الحكم عليه بكل شيء غير البعد عنك يثبت راضيا بذلك ، ويقيم نفسه هدفا لذلك السهم ، ولا يضطرب ولا يهرب .