تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
وما لها إلّا العدمية فحسب ، والعدم لا قيمة له ولا قدر يصح إضافة البذل وعدم البذل إليه ، فصح قولي : لم تسو روحي في وصالك بذلها لدي لبون ، أي لفرق بين صون وبين بذلة ، أي : بالإضافة إلى ما له قدر وقيمة ما بالنسبة إلى ما لا قيمة له .
وإنّي ، إلى التّهديد بالموت ، راكن ، ومن هوله أركان غيري هدّت يقال : ركن - بالكسر - يركن - بالفتح - ركونا أي مال بوصف السكون ، ومنه الركن لجانب الشيء الذي يسكن إليه ، ومنه قوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
[ هود : الآية 113 ] ، والهد : هدم له وقع ، وتهدّدته : إذا زعزعته بالوعيد ، ويستعمل في نفس الوعيد ، وهو المراد ههنا . يقول : إني مائل بوصف السكون إلى الوعيد بالموت أو القتل حال انهدام أركان وجود غيري من هو له ، فإنّ مطمح نظري الحياة والبقاء بوصف حياتك وإبقائك ، ومقصد غيري مقصور على الحياة والبقاء بفعل إحيائك وإبقائك ، وأراد بالغير ههنا من تقوى وتغلب عليه أحكام المغايرة والخلقية بينه وبين الحقّ وأهله ، بحيث لم يؤمنوا بارتفاعهما أصلا ، فهم الأغيار مطلقا . وأما المؤمنون بذلك ، فبقدر قوّة إيمانهم يضعف حكم الغيرية فيهم ، فما هم مرادون بقوله غيري .
ولم تعسفي بالقتل نفسي ، بل لها به تسعفي إن أنت أتلفت مهجتي العسف : الأخذ على غير قصد وطريق عدل ، وأسعفت الرجل بحاجته إذا قضيتها له ، وأسعفته : أعنته على أمن ، والمهجة : الدم ، وقيل : دم القلب خاصة ، ويستعمل في الروح أيضا باعتبار أن مجلى أثر الروح إنما هو الروح الحيوانية ومنبع الروح الحيوانية ومنبعثها دم القلب الذي في سويداه ، فلهذه الملابسة استعملت المهجة في الروح ، والمراد ههنا دم القلب أو الروح الحيواني القابلان للتلف لا الروح الروحانية التي لا تقبل التلف ، ولا النفس المطمئنة وأثرها الباقيان ببقاء الروح الروحانية . يقول : إن أتلفت مهجتي حتى صار ذلك سببا لمفارقة الروح الجسد وانقطاع أثر النفس المطمئنة بقطع التعلق بينه وبين البدن ، فلم تظلمي بذلك الإتلاف على نفسي المطمئنة ، بل تقضي بذلك حاجتها وتعينها على مرادها ، وهو قرب الخلاص عن آثار الحجب الخلقية والوصول إلى الأنوار الحقّية بعد ارتفاعها بالكلّية ، فتكوني