وأمّا أثره في العقل تصوير المعقولية التي أراد العقل إدراكها مجرّدة ، وأمّا مدخله في أحكام القلب تصوير ما نازل القلب حتى تنتبه النفس لذلك ، فتسترقّ منه حظّا بإظهاره وإفشائه . وأمّا مدخل أثر الوهم في أحكام الروح تمثيل ما فهمه الروح من الأسرار والأنوار للقلب ثم للنفس ، فيداخلانه في ذلك ، فلم تصف له تلك الحالة .
وأمّا مداخلته في أحكام السر تصوير خواصه وآثاره للروح والقلب والنفس ، فمن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كأنك تراه » « 1 » ، وقوله : « إن اللّه تعالى يكون في قبلة المصلي ما دام في صلاته » « 2 » أو كما قال ، فذكر في هذه الأبيات ترك الحظوظ الوهمية من أعلى مراتبها إلى أدناها ، وهي نيل درجة الشهادة ، ثم عاد إلى أن أضاف ذلك إلى علم المحبوب المحيط بجميع هذه المراتب ، وأيّ شيء وحكم منها غالب عليه .
ولم تسو روحي في وصالك بذلها لديّ لبون بين صون وبذلة
يقول : إن روحي قد قلت أنها لديك وقبضها إليك ، ومع ذلك لو كانت عندي وقبضها إلى يدي ما تسوى عندي شيئا يقابلها شيء أو يكون مما له قدر وقيمة تصح إضافة البذل أو عدم إضافة البذل إليه ؛ لأن وجودها ليس لها ، بل هو لك أودعته في حقيقتها وضفته إليها ، فما لها من ذاتها غير العدمية ، فأي قدر يكون للعدم حتى يقال بذلته أو صنته ، بل لا تصح إضافتهما إليه أصلا لوجود تفرقة واقعة بين البذل والصون ، وتلك التفرقة إنما تكون عند الإضافة إلى ما له قدر وقيمة ما مثل إضافة البذل إلى فلس ، وإضافة الصون وعدم البذل إليه صحيحة .
وأما إضافتهما إلى ذرّة تراب أو طاقة صوف لا تصح لعدم قدرهما ودناءة قيمتهما ، فروحي أدنى قيمة وأقلّ قدرا عندي منهما لتيقّني أن وجودها معار مستردّ ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما : باب سؤال جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . . . ، حديث رقم ( 50 ) [ 1 / 27 ] ؛ ومسلم في صحيحه في أبواب عدّة أحدها كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 8 ) [ 1 / 36 ] ؛ ورواه غيرهما .
( 2 ) لم أجده بلفظه وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه لأنه يناجي ربّه ما دام في صلاته ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه » حديث رقم ( 1783 ) [ 5 / 83 ] ؛ وروى الحديث غير ابن حبان .