تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
إلى رتبة الاتّهام المذكور ، فأنت أحسنت إلى نفسي بأنك أنلتها منقبة الشهادة ، لا أنك أسأت إليها بذلك .
ولي منك كاف إن هدرت دمي ، ولم أعدّ شهيدا ، علم داعي منيّتي هدر السلطان دم فلان : أباحه وأبطله ، وهدر الدم نفسه : بطل يتعدّى ولا يتعدّى ، والمراد الأول ، والشهيد ههنا هو الحاضر عند مفارقة النفس البدن مع اللّه تعالى ، والمنيّة : الموت ، وأصلها من المنا وهو القدر ، وسمّي الموت منيّة لكونه مقدّرا بأجل معين ، ومنه المنيّة لما تقدّر النفس وقوعه ، والتمني تفعل منه ، والواو في قوله : ولم أعد للحال .

تقدير البيت

: وحاصله أنه يقول : وإن أبحت دمي وأبطلته بحيث لم يكن في مقابلته شيء مما فيه حظّ أو بقيّة تطلع إلى حظّ النفس بعد المفارقة من ذكر جميل وصيت حسن ومأثرة حميدة أنه مات من العشق وفدى روحه في سبيل الحبّ مع التطلّع إلى لذّة الوصل بالمعيّة المعيّنة بقوله : « أنت مع من أحببت » « 1 » ، وإن لم يحصل وصل حقيقي أو الافتخار بتهمة الانتساب بكون الحب ومتعلقه أمرا مجازيّا لا حقيقيّا ، أو الحظوة بدرجة الشهادة عند الموت في الطريق قبل البلوغ إلى تحقيق هذه التهمة ، فإن لم يكن في مقابلة سفك دمي شيء من هذه الحظوظ ، والتطلّع إلى شيء منها حال كوني غير معدود في زمرة الشهداء يكفيني منك أنك عالم بما يدعو بي إلى الموت ، ويبعثني على الرّضا به ، وتركي للحظوظ جميعها دونه . فهذه الأبيات المذكورة مشيرة إلى مراتب ترك الحظوظ الوهمية عاجلا وآجلا ، واعلم أن الوهم له سلطنة عظيمة بحيث إن كل ما غلب وظهر حكمه من النفس ، أو العقل ، أو القلب ، أو الروح ، أو السر له في ذلك الحكم أثر ومدخل يجب دفعه حتى يصفو ذلك الوقت الذي كان محل ذلك الحكم والغلبة . أما أثره في النفس تصوير الأمالي والأماني والتسويلات وأحاديث النفس الشاغلة جميعها للنفس عن الاشتغال بما هو منهم وقته .
هامش
- ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد [ 2 / 771 ] ؛ وأورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2538 ) [ 2 / 345 ] ؛ ذكر من اسمه المؤمل ، حديث رقم ( 7160 ) [ 13 / 184 ] . ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 270 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني