تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
قلت : لم يكره العبد الموت للموت ولا تركا للوفاء ، بل إنما يكرهه تطلّعا إلى كمال إلهي متعلق حصوله بهذه النشأة لم يحصل له بعد ذلك أو ترقّيات في مدارجه يرتقيها ينقطع جميع ذلك بالموت ، وليس هذا من شأن الكمّل والأفراد ، ولا لمن يقرب منهم . أمّا الكمل والأفراد ، فإنهم لا يموتون إلّا بعد استيفاء جميع ما لهم ، وردّ كل ما عليهم . وأمّا غيرهم ، فهم واقفون مع ما يجري عليهم في جميع الأحوال بحقيقة الرضاء لم يكرهوا شيئا إلا ما كره مولاهم على لسان الشرع ، فهم بمعزل عن كراهة الموت جملة واحدة .
وما ذا عسى عني يقال سوى « قضى فلان ، هوّى » ! من لي بذا ، وهو بغيتي ما بمعنى الذي مضافا إلى ذا مرفوع المحل بالابتداء ، وعسى صلته ، ويقال : عني خبره ، وسوى استثناء من المقول ، وهوّى إما تمييزه أو مفعول له ، وتقديره : وأي شيء الذي عسى يقال عني سوى أنه مات فلان من العشق أو لأجله ، من يوصلني ويضمن لي بالبلوغ إلى هذه المنقبة الشريفة العالية ، وحصول هذا الفخر العظيم في هذه الحالة التي هذا مرادي . يعني : لما كان الإنسان مجبولا على التطلّع إلى أن تبقى منه مأثرة ومفخرة وصيت وفضيلة وكمال يذكر في حياته وبعد موته ، فإذا متّ أنا في حبك أو لأجله ، فأيّ شيء عسى يقال عني سوى أنه مات عشقا ، وأي عزّ يكون أعلى من ذلك ، وأيّ مأثرة ومفخرة أشرف من أن أنتسب إلى الحبّ ، وذلك أنهى مرادي ، ومن يدلّني إليه ويوصلني به ، وإذا كان الأمر كما قلت ؛ فكيف أبغض الموت في حبّك وإني أعده غير ملائم ، بل أحبّه محبّة شديدة .
أجل أجلي أرضى انقضاه صبابة ولا وصل ، إن صحّت لحبّك نسبتي أجل مثل نعم ، إلّا أن استعمال أجل في التصديق أحسن ، واستعمال نعم في جواب الاستفهام أجود ، والأجل المدة المضروبة للشيء . يقول : هذا الذي قلت إن مرادي أن يقال عني أنه مات من الحب ، وأن تبقى مني هذه المأثرة صحيح إن صحت نسبتي إلى حبّك ولم أتمكن من وصلك أنا راضي بالقضاء أجلي من حرقة الحبّ أو لأجلها عند حصول مفخرة الانتساب إلى حبّك من غير بلوغ إلى الوصل في هذه النشأة ، فإن تلك النسبة لا بدّ وأن تجرّني إلى الوصل وتدفع عني أثر التمييز والفصل ، وتنصبني بين يدي الأصل .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 268 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني