تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وما أنا بالشّاني الوفاة على الهوى ، وشأني الوفا تأبى سواه سجيّتي الشاني الأول مهموز اللام من شنأته شناء بالحركات الثلاث وتسكين النون وشنانا بتسكينها وفتحها معا بمعنى أبغضته ، والثاني من الشأن مهموز العين ، ومعناه الحال والأمر ، واستعمل ههنا بمعنى الصفة ، والوفاة : اسم للموت ، والوفاء : ضدّ الغدر ، والسجيّة : الخلق الذاتي الذي لا يتبدّل إن كان قبيحا قبحه إلى الحسن ، بل يصرف إلى مصرف يظهر فيه بصورة الحسن ، وإن كان ذلك قبيحا ، والألف واللام في الهوى إمّا للعهد وهو الهوى الذي ادّعاه ، وإمّا قائما مقام الإضافة ، وعلى ههنا بمعنى في ، والواو في قوله : وشاني للحال .

تقديره ومعناه

: ولست بمبغض الموت في هواك والصبر عليه في هذه الحالة التي صفتي الوفاء بكل ما عهدته ، وخلقي الذاتي يأبى ويمتنع عن غير الوفاء بالعهود أراد بوفاء عهد ردّ الأمانات بموجب
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
[ النّساء : الآية 58 ] ، وهذه الحياة أمانة ، والنفس المدبّرة أمانة عند كل حيّ من حضرة اسم المحيي واجب ردّهما عند الطلب ، والأمر بردّ الأمانة والعهد على ردّ الأمانة إنما هو عهد
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] ، فالرب إنما يربي بحسب المصلحة ، وحكم الحكمة فتارة يربى بواسطة هذه الحياة في النشأة الدنيوية ، وتارة يربي بالموت بحكم الانتقال منها إلى نشأة أخرى ، وبحياة أخرى غير هذه الحياة ، فلمّا التزم العبد بقوله : بلى جميع أحكام ربوبية الرب الحقيقي الذي هو رب الأرباب الحكيم العليم جلّ جلاله ، فذلك عهد منه أن لا يتلكّأ عند ردّ أمانة النفس والحياة الدنيوية ولا يعده غير ملائم ، بل شرط الوفاء بالعهد أن يعد ذلك ملائما مناسبا ، ويرد الأمانة عن نشاط وطيبة . فإن قلت : يرد على ما قدرت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن ربّه تعالى وتقدّس : « ما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ، ولا بدّ له من ذلك » « 1 » ؟
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ينبغي للمرء . . . ، حديث رقم ( 20769 ) [ 10 / 219 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عمّا يجب على المرء من الثقة باللّه . . . . ، حديث رقم ( 347 ) [ 2 / 58 ] ؛ ورواه غيرهما .