المفاض من عين الشمس على الماء الصافي ، وظهور عكسه في الجدار الصقيل ، فالماء كالحقيقة والجدار كالمرتبة ، وهذا تمثيل مناسب ظاهر لما هو الأمر عليه من وجه دون وجه بالنسبة إلى فهم المحجوب ، وإلّا فالأمر ألطف مما يدركه الحسّ والعقل على ما هو هو ، وهذا الروح كلّي جمعي جملي وهو المسمّى بحكم ظاهره باللّوح المحفوظ ، وبحكم باطنه بالقلم الأعلى ، وجزئي شخصي تفصيلي وهي الأرواح الملكية والإنسانية والجنية ، وكل روح جزئي شخصي له تعيّن وظهور في عين هذا الروح الكلّي ، الذي هو اللّوح المحفوظ بالنسبة إلى عالم الأرواح ، وله - أعني للروح - الجزئي الإنساني نسبة ظهور أخرى بالنسبة إلى ما تحت عالم الأرواح ؛ كالشعاع المطلق بالنسبة إلى عين الشمس قائمة به ومنبسطة عنه فيه ، وهي بهذه النسبة تسمّى النفس المطمئنة في اصطلاح الشرع ، ولتلك النسبة الظهورية نسبة أخرى تدبيرية للصورة البدنية الحسّية هي مثل إضافة الشعاع الشمسي إلى كل كوّة وبيت ، ومجلى هذه النسبة التدبيرية الروح الحيوانية ، وسمّى الروح بهذه النسبة التدبيرية الظاهرية بمجلاها نفسا ملهمة فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها بتركها الحظوظ واللذّات العاجلة والانكباب عليها والاسترسال فيها بالنسبة إلى قوم أبرار ، والآجلة أيضا بالنسبة إلى المتوجّهين والمؤهلين إلى مقام المقرّبين ، وقد خاب من دسّاها بالإكباب على هذه الحظوظ العاجلة أو الآجلة ، وهذه النسبة الظهورية والتدبيرية هي نتيجة وصف انبساط هذا الروح المتعيّن في اللّوح المحفوظ الذي له شرف الإضافة والاختصاص المعني بقوله : روحي ، وبهذا الوصف الاختصاصي يصح إضافة عند ولدى ولدن المضافة إلى الحضرة الإلهيّة إلى اللّوح المحفوظ .
وأمّا بوصف انقباضه - أعني انقباض الروح - تعود النسبة التدبيرية إلى أصلها الذي هو نفس الظهور المسمّى بالنفس المطمئنة ، وإذا قوي انقباضه ترجع النفس المطمئنة التي هي ظاهر الروح إلى باطنها ، ولمّا كان القبض والبسط كلاهما مضافا إلى الحضرة المحبوبية التي لا يكون القابض والباسط إلّا هي ؛ لا جرم قال : فقلت لها روحي لديك ، أي في حضرة اللّوح المحفوظ وقبضها إليك ، فإنه لا قابض ولا باسط إلّا أنت ، وما لي من حيث حقيقي وأنانيتي التي لا قيام ولا ظهور لها بنفسها إلّا أن يكون في ضمن علمك أو وجودك أن يكون قبض روحي بيدي ، مع أن روحي لديك وقبضها إليك .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 266
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٦٦