إليه بالتمنّي ولا تتحقّق به بمجرّد الدعوى والتوهّم والتشهّي ، بل من خواصه أنك إن لم تمت عن حياتك النفسانية التي هي منشأ طلب حظوظ نفسك ولذّاتها لم تقض حاجة من قرب المحبوب ومراتب وصله لمباينة بيّنة بين هذه الحياة وبين صفات المحبوب من حياة وبقاء بهما تقضي حاجة المحبّ عن المحبوب الحقيقي ، والآن أنت مخيّر بين أمرين : إمّا أن تختار الموت من هذه الحياة النفسانية وتغرق في بحر الفناء ، وإما أن تخلي دعوى خلّتي وطلبها ، فالمضاف محذوف في خلّ خلّتي .
ولما ورد في هذه الأبيات على لسان حضرة المحبوب دعوى تحقّق المحب بحقيقة الحبّ بسبب بقايا خفيّة من صفاته التي هي من أحكام المباينة بينه وبين محبوبه ، ثم نبّه مجملا ومفصّلا وتعريضا وتصريحا على ما هو الشرط اللازم للتحقّق بحقيقة الحبّ ، وصرّح بأن ذلك الشرط إنما هو الموت الحقيقي عن هذه الحياة المجازية النفسانية بموجب أمر صاحب هذا الأصل الذي هو المحبوب والمحب الحقيقي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « موتوا قبل أن تموتوا » « 1 » ، رجع إلى لسان القبول وفهم التنبيهات والإشارات وتلقّيها بالإذعان والاستسلام والانقياد من لسان المحب الطالب ، فقال مجيبا للمحبوب :
فقلت لها : روحي لديك ، وقبضها إليك ، ومالي « 1 » أن تكون بقبضتي
لدى ولدن مثل عند في كونها للقرب ، غير أن مقتضى معنى عند قرب عام ، ومقتضى معنى لدن ولدى قرب خاص ؛ كما يقال : عندي مال يقتضي أن يكون المال في حكمه سواء كان حاضرا أو غائبا ، ولا يقال لديّ إلا فيما يكون حاضرا ، والروح معناها قد ذكر مستقصى في قوله : في سبق روحي بنيتي ، إلّا أنا نعيد ههنا ما تمس الحاجة إلى ذكره ، فنقول :
إن الروح عبارة عن وجود مفاض مضاف بحكم الأمر الإلهي المعبّر عنه بكن إلى حقيقة ممكنة معيّنة بتلك الحقيقة في الحضرة العلمية الأزلية ، ومحل ظهور ذلك الوجود المفاض المضاف مرتبة تسمّى مرتبة الأرواح ؛ كوقوع الشعاع
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2669 ) [ 2 / 384 ] ؛ والهروي في المصنوع [ 1 / 371 ] .