شيء لا يواجه شيئا إلّا هو ، وحينئذ يعمّ حكم ذلك التجلّي الإطلاقي الرحمني حقيقة المحب وجميع قواه ، فيصير سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، وعقله الذي يعقل به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يسعى بها ، فإن رجع في تلك الحال إلى أثر من آثار عنديته بظهور أثر الجمعية بين جهتي الوجوب والإمكان فيه فهو قريب من الكمال والإيضاح في السكر ، بقول : أنا الحق ، وباح بسرّ سبحاني فقوله :
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا
يشير إلى الرتبتين الأوليين من الفناء ، فإن حكم الحبّ وأثره الذي هو غلبة ما به الاتّحاد لا يظهر إلّا بفناء ما به الامتياز من هذه الصفات العارضية والأصلية المذكورة في هاتين الرتبتين الأوليين ، وقوله : ولم تفن ما لا تجتلي فيك صورتي ، يشير إلى الرتبة الثالثة ، يعني لم تتحقّق بكمال الفناء ما لا تدركك عنايتي وجذبتي ويظهر فيك من تجلّي ظاهري رحمني إطلاقي في ضمن استقبال حقيقة حبّي إياك ، فيفنى تعيّنك ، وينفي نسبة إضافة الوجود المجازية عنك كما بينّا آنفا ، وحينئذ تنفى وتستهلك فيّ محقا ، كالهلال ليلتي سلخه .
فدع عنك دعوى الحبّ ، وادع لغيره فؤادك ، وادفع عنك غيّك بالّتي
دع : أمر من الودع ، يقال : ودعه تركه يدعه ، قال بعض العلماء : لا يستعمل ماضيه ولا اسم فاعله ، وإنما يقال : يدع ودع كما في يذر وذر ، ولكن قد قرىء من الأوّل
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ
[ الضّحى : الآية 3 ] بالتخفيف ، ولم يرد شيء في يذر وذر سواهما ، والدعاء إلى الشيء : الحثّ على قصده ، والغيّ : الجهل من اعتقاد فاسد ، وفي قوله : بالتي حذف اعتداد بفهم السامع وصنعة الاقتباس ، وهو تضمين قوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ المؤمنون : الآية 96 ] ، والألف واللام في الحب قائم مقام الإضافة ، وعنك الأولى إنما أورده بعد دع بطريق تضمين فعل أبعد الذي يتضمّنه الترك ، واللام في لغيره بمعنى إلى حرف تعدية الدعاء .
يقول : ولمّا لم تمكّنك نفسك من تحقيق هذا الفناء ، ولم ترض أن تقوم بشرط التحقّق بحقيقة الحبّ ، فاترك وأبعد عنك دعوى حبّي ، وحث فؤادك على القصد إلى غير حبّي ، وهو طلب الحظوظ والمرادات النفسية . أما في نشأتك الدنيوية أو في نشأتك الأخروية وجهلك بحقيقة الحبّ الحاصل من اعتقاد فاسد بأن