بك وفيك إلّا بفناء هذا العين ، وباستهلاك هذا الحكم في طريق طلبي وسبيل حبّي ، وهذا معنى قوله :
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا
ولمّا كان الفناء الذي هو استهلاك العاشق في المعشوق وصفا ، ثم أثرا ، ثم عينا له ثلاث مراتب كلّية .
الأولى منها : فناء أوصاف وعوارض تعلّقات وتقيّدات طارئة على الوجود المضاف إلى العاشق عند نزوله ومروره على المراتب الكونية الخلقية قد طرأ من أثر كل مرتبة ومقام ومنزل ملكي أو فلكي أو عنصري أو مولدي أثر وحكم على وجود العاشق ، وصار وصفا لازما له ، وتلك الأوصاف والعوارض ظهرت فيه تصوّر ميول ومطالب ومقاصد وآمال وأمان وتعلّقات وتشوّقات عقلية أو روحيّة أو نفسية وهمية ، أو حسّية بعضها جليّة بيّنة الجلاء ، وبعضها خفيّة في غاية الخفاء وما بينهما ، وطريق التحقّق بهذا الفناء هو التحقّق بالمراتب والمقامات والأحوال الإسلامية والأمانية ؛ كالتوبة والمحاسبة والمراقبة والمجاهدة والورع والإخلاص والصدق والزهد وتحقيق دقائقها وخفاياها .
والمرتبة الثانية من الفناء هو استهلاك الصفات الأصلية من المحب ، كالفعل والقول والسماع والإبصار والسعي المضافة إلى العبد في مرتبة خلقيّته ، وهذه الصفات هي آثار الصفات الأصلية الحقية وظلالها ومظاهرها ونفي إضافتها إليه عن نفسه ونفي رؤية ذلك النفي عن نفسه والحضور معه ، وإضافتها كلّها إلى الموجد الحقّ ، ونفى رؤية تلك الإضافة وطريق هذا الفناء التحقّق بباطن مقام الثقة والتسليم والتفويض والتوكّل والرضى ، ومحقّقا بها ومتمّما بها .
والمرتبة الثالثة من الفناء هو استهلاك عين التعيّن من الوجود في إطلاقه ، ونفي الإضافة منه إلى الغير ، وليس لهذا الفناء طريق إلّا بأن يتعيّن من عين الحضرة الظاهرية الرحمانية التي هي صورة الحضرة الباطنية الإلهية الهوية تولّ حبي حقيقي مشار إليه بقوله : « فإذا أحببته » ، وفي ضمنه تجلّي وجودي إطلاقي ، فيظهر في مرآة حقيقة العبد وتغلّب على وجوده ويقهر وينفي الإضافة المجازية عنه ، ويظهر حكم كل شيء هالك ، يعني التقيّدات والتعيّنات والنسب العارضية والنسب والإضافات المجازية إلّا وجهه ، يعني عين الوجود الذي هو وجه كل