تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
يقول : هذا الذي ادّعيت أنك عاشق ذو غرام صحيح لكن عاشق ومغرم بنفسه لا بي ، ولي على صحة هذه الدعوى الذي ادّعيت أنك عاشق على نفسه ومغرم بنفسه لا بي دلائل كثيرة بعضها أنك صرّحت بالاعتراف بأن لك بقية منك من فهم وإدراك بهما تحصل لك لذّة الرؤية والسماع ، وطلبت مني إبقاء تلك البقية حالة اللقاء قبل فنائها بالكلية ، أو طلبت نظرة المتلفّت لأجل حصول اللذّة من اللقاء ، وطلبت مني لذة السماع ، فإبقاؤك تلك البقية من الفهم التي هي وصفك ووصف لذّتك من الرؤية والسماع في قولك :
هبي قبل يفنى الحب مني بقية * أراك بها نظرة المتلفت
دليل على أنك عاشق ومغرم بنفسه لا بي ؛ وذلك لأن أثر حبّي وحكمه إزالة ما به الممايزة والمباينة بيني وبينك عنك ، فما دام أثر منك من وصف وإضافة شيء إليك باقيا معك كان ما به الممايزة والمباينة ثابتا بيني وبينك ، فلم يظهر أثر حبّي وحكمه فيك ، فلم تكن محبّا لي بل لنفسك بشغفك وطلبك أوصافها ولذّاتها ، ومن دلائلي على ما ادّعيت آنفا إضافة الاختيار إلى نفسك في قولك : وما اخترت حتى اخترت حبيك مذهبا ، مع أن ذلك راجع إلى الأوّل وداخل في بقاء الوصف . ومنها بقاء شيء من ذاتك وتعيّن الوجود المضاف إليك ، فإنّ الصفة لا تقوم إلّا بالذّات لا بنفسها ، فمهما لم يبق من ذاتك وأنيتك شيء لم تظهر صفة من صفاتك ، ففي إبقاء وصف من أوصافك إثبات تعيّن وجودك وذاتك ، وإضافة الوجود إليك عين ما به الممايزة والمباينة بيني وبينك ، وبقاء شيء مما به الممايزة والمباينة بيننا مناف لظهور حبّي فيك على ما بينّا ، فصح أنك مغرم بنفسه لا عاشق ومحبّ لي .
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ، ولم تفن ما لا تجتلى فيك صورتي ولمّا كان التحقّق بحقيقة حبّي مشروطا بشروط زوال ما به الامتياز والمباينة بيننا عنك ، فإن حقيقة الحبّ ومقتضاه أن يوصل المحب إلى المحبوب ويوحد كثرتهما ، والتوحد مع تحقّق ما به الممايزة والمباينة متباينان ولا يجتمعان ، فمهما كان أثر الامتياز ثابتا فيك لا يكون حقيقة الحبّ ومقتضاه ظاهرا بك ومضافا إليك ، وجميع أوصافك وحظوظك وميولك وآمالك وأمانيك ، بل تعيّنك وإضافة الوجود إليك عين ما به الامتياز ، وحكم ما به المباينة بينك وبيني ، فلا تظهر حقيقة الحبّ