تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
الحقيقي ، وذلك هو معنى قوله : ولكنما الأهواء عمّت فأعمت ، وفي رواية : ولكنها ، يعني : ولكن الحال الواقعة التي أنت فيها إنما هي الأهواء عمت فأعمت الطريق عليكم ، فإلى ههنا ردّ عليه دعوى تحقّقه بحقيقة الحبّ وسلوكه سبيل الوصل والقرب ونبّهه بحقيقة ذلك ، ولكن بلسان الإشارة والإيماء ، ثم بعد ذلك ينبّهه ويرد عليه في هذه الأبيات التي بعدها ، وهي خمسة أبيات بلسان العبارة والتصريح ، وهذا البيت تنبيه للخمسة التي بعدها :
وقد آن أن أبدي هواك ، ومن به ضناك ، بما ينفي ادّعاك محبّتي آن يئين ، مثل حان يحين وزنا ومعنى ، يعني : بعد ما رددت عليك دعاويك العريضة ونبّهتك على سبيل حبي فيما قبل بالإيماء ، وأكملت ذلك بذكر حقيقة الفناء وما يترتّب عليه من البقاء وذكر الموانع عن التحقّق بهما حينئذ جاء أوان التصريح بجميع ذلك بتقرير يتضمّن ردّ دعواك حقيقة محبّتي ، حتى إنك لو لم تفهم ولم تنتبه لذلك من لسان الإشارة والإيماء تفهمه وتتنبه له من التصريح ، فلا يفوتك الغرض ؛ لأنك مطلوب على الحقيقة .
حليف غرام أنت ، لكن بنفسه ، وإبقاك ، وصفا منك ، بعض أدلّتي الحليف : المعاهد ، وذو حلف أي يمين ، فعيل بمعنى فاعل ، ثم جعل عبارة عن مجرد الملازمة ، فيقال : حلف فلان وحليفه ، والغرام في الأصل : ما يصيب الإنسان من شدّة ومصيبة ، ويستعمل في معنى الولوع والشغف بالشيء ، يقال : أغرم بالشيء أولع به ، وكلاهما مبنيّ على ما لم يسمّ فاعله ، ويستعمل في معنى العشق ، فيقال للعاشق : مغرم به وذا غرام ، وهو المراد في البيت ، والوصف في البيت بمعنى الصفة ، والباء في قوله : بنفسه باء التعدية من فعل الغرام ، فإنه يقال : أغرم به ، وضمير الهاء يرجع إلى المغرم ، فإن تقديره : مغرم أنت لكن مغرم بنفسه ، وإنما قال : حليف غرام ولم يقل : أنت مغرم بمعنى دقيق لطيف ؛ وذلك لأن الحليف له قرب ضعيف ونسبة وتعلق بعيد من خارج وظاهر ، لا من داخل وباطن ؛ ولمّا كان متعلق حبه ظاهر النفس ولذاتها لا باطن النفس ولا الروح ولا السرّ التي قربها ، وتعلق الحب إليها باطني ؛ لا جرم استعمل في ذلك لفظ حليف الحب والغرام لا صيغة الفاعل من الحبّ المؤثّر في الظاهر والباطن ، فاعلم ذلك واللّه المرشد .