تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
يقول : إن استقامة طريق الوصول إلى جناب وصلي وحضرة حبي الحقيقي ظاهر بالنسبة إلى من كان في أصل فطرته مهتديا إلى مراتب قربي التي أوّلها مرتبة الإسلام ، وثانيها : مرتبة الإيمان ، وثالثها : مرتبة الإحسان بإصابة النور الاختصاصي المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فمن أصابه من ذلك النور اهتدى » « 1 » ، المعنى بقوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[ الأعراف : الآية 156 ] ، أي يجعلون كمال استعداداتهم وقوّة قابليتهم في أصل الفطرة ، والتقدير الأزلي وقاية تقيهم وتصونهم عن أن يظهر عليهم ويغمرهم ويغلب على ما يضاف إليهم من الوجود المفاض المصاب حكم ظلمة الضلالة أو تغلب الأحكام الإمكانية على وجودهم ويؤتون الزكاة ، أي الطهارة عن التلبّس بتلك الأحكام ، لئلّا يتلوّثوا بألواث النقائص والرذائل في الأخلاق والأوصاف ، فيصدّهم عن سبيل الاهتداء إلى آيات ربّهم وأنوار هاديهم ، ومراتب قربه وحبّه الحقيقي . وذلك الطريق المستقيم الواضح إنما هو الفناء والإعراض عن الأغراض النفسية جميعها دقيقها وجليلها أولا ، ثم عن الجواهر والأعراض الخلقية العقلية منها والروحية كلّها ثانيا ، عن ثم رؤية ذلك الإعراض والفناء وخطوره على الخاطر ثالثا ، وذلك معنى قوله : « ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى » ، ولكنما الأهواء أي الميول العارضة الطارئة على الوجود المفاض المضاف في مروره عند التنزّل لإظهار كمال الجلاء والاستجلاء على المراتب الكونيّة الخلقية ، كمرتبة الأرواح والمثال الحسن مجملا ، وكالعرش والكرسي والسماوات والعناصر والمولدات مفصّلا الحسن مجملا ، وكالعرش والكرسي والسماوات والعناصر والمولدات مفصّلا وتكيّفه وتأثّره ، أي الوجود عن أحكام كل مرتبة وعن خواصّها وأوصافها أحدثت في الوجود ميولا وأهواء متكثّرة مختلفة بحسب أحكام المراتب المذكورة وخواصها وأوصافها ، فعمّت هذه الأهواء جميع مراتب وجودك ووجود كل سالك محبّ مثلك روحا وقلبا ونفسا لخفايا بقايا حكم كل مرتبة فيكم ما أدّيتم حقوقها كلّها ، وما رددتم أمانتها كما هو وما ينبغي ؛ فلا جرم أعمت وأخفت ظلمتها على بصائركم وأبصاركم هذا الطريق الواضح المستقيم ، فاشتبه عليكم بغيره حتى ظننتم طلب لذة نفوسكم أنه طلبي وحسبتم إعراضكم عن لذّات نفوسكم المتعلقة بغيري لأجل نيل لذّاتها المتعلقة بي أنه الفناء والإعراض المطلوب الذي يتعلّق به البقاء
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر إلقاء اللّه جلّ وعلا النور على من يشاء من خلقه ، حديث رقم ( 6169 ) [ 14 / 43 ] ؛ ورواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ؛ ورواه غيرهما .