تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
في نفسها إلّا في ضمن علمي لها ، ولا يلقى شيئا من العلم والعمل القلبي والقالبي ، ومن الكشف والسهو والصبر والشكر ورؤية المحنة منحة ومعرفة المبلي في عين البلاء ونحو ذلك مما عددته منتشئا من حقيقتك ، ولا منتسبا إلى أنيتك أصلا ، فإن هذه الأشياء لها وجود في ذاتها وظهور في نفسها ، وكل ما له وجود في نفسه وظهور في ذاته لا يمكن أن يقوم بعدم غير قائم بنفسه ، أو ينتشىء مما لا وجود ولا ظهور له في نفسه ، وهذا هو تحقيق قوله بحيث ترى أن لا ترى ما عددته ، أي تعرف بنظر فبي يعقل عدم رؤيتك ، ببصر فبي يبصر ما وصفته من السير في مراتب الحبّ وأطواره منتشئا من حقيقتك ومنتسبا إلى أنيتك ، بل كل ما عددته من السير والسلوك وأعددته وهيّأته للوصول إلى جناب وصلي ، والتحقّق بحقيقة حبّي جميع ذلك منتشئا من الوجود المفاض المضاف المقيّد بالمراتب الكونية المتّسم بسمة الحدوث والخلقية ، ومنتسبا ومضافا إليه وكل ما كان متّسما بسمة الحدوث والخلقية ، ومنتسبا إلى الأحكام الكونية المتعرّضة لحكم
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : الآية 88 ] ، و
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
( 26 ) [ الرّحمن : الآية 26 ] ، لا يمكن أن يصلح وسيلة لنيل شرف الاستشراف على مراتب القدم والحقية وذريعة إلى التحقّق بالحضرات الإلهيّة وآلة وعدة للوصول إلى جناب الوصل ودرجات المحبّة الحقيقية ، فإن قول الإمام المحقّق الصديق المصدق الحادث إذا قوبل بالقديم لم يبق له أثر أصل كبير محقّق ، وما لا يبقى له عند المقابلة أثر من عينه كيف يصحّ إضافة التأثير بالوساطة إلى كونه وتسبيح الأكابر بقولهم : سبحان من لا يوصل إليه إلّا به أيضا أصل معتبر صحيح مخبر عن عدم صلاحية سواه بأن يكون آلة تتوصّل به إليه بنصّ صريح ، وهذا الذي ذكرنا هو معنى قوله : وأن الذي أعددته غير عدّتي .
ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى ، ولكنّما الأهواء عمّت ، فأعمت النهج والمنهاج : الطريق المبين المستقيم ، واستعمله ههنا بمعنى وصفه ، وهو الاستقامة ، وأضافه إلى السبيل الذي هو الطريق الذي فيه سهولة ، والأهواء : جمع هوى وهو ميل النفس إلى الشهوة ، وما في قوله : ولكنما كافّة تمنع لكن عن العمل ، ويروى ولكنها ، والضمير راجع إلى الحال ، والقصة - يعني هذه الواقعة - التي صدتك عن السلوك في المنهج المستقيم هي ميول نفسك إلى شهوتها ، وعمّ الشيء عموما ، أي : شمل شمولا ، ويقال : أعمت الريح الطريق ، أي سترته حتى اشتبه على سالكيه .