جميع الآثار الإلهيّة إليك ، وهذه رتبة لا تنالها بحولك وحيلتك وكسب من جبلتك .
والوجه الثاني أن يكون خبر كان بي ، وخفضة إما حال من الكائن ، وإما تمييز وتقديره : لو كنت قائما وحاصلا بي لا بك ، وبما يضاف إليك من الوجود المفاض المقيّد بالمراتب الكونية حال كونك خفضة ، أو على وجه يكون عين كونك قائما وحاصلا بي عين حركة خفضة مبدأ تعيّنها وكونها نقطة الباء التي عين تلك النقطة ما يقتضي عبوديّتك ، ومنتهاها باء الإضافة التي في بي حيث لم يكن لك تحقّق لنفسك ، ولا ثبوت في ذاتك إلّا في ضمن علمي ؛ كتلك الحركة الخفضية التي لا تحقّق لها إلّا في ضمن باء الإضافة فصرت كما قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : الفقير الذي يكون الآن مع اللّه كهو في الأزل ، حينئذ رفعت إلى رتبة بقاء فبي يسمع وبي يبصر وبي يعقل ، وتلك الرتبة لا تنال بكسب وحيلة خلقية ، اللّهمّ إلّا بجذبة وعناية حقّية .
وحاصل الوجه الأول وغايته عين الثاني ، غير أن في الوجه الأول ذكر الواسطة إلى التحقّق بالفناء والرجوع إلى الحالة العدمية والكون في الحضرة العلمية لا غير ، وفي الثاني لم يذكر الواسطة ، بل ذكر المقصد والغاية التي هي رتبة التحقّق بالفناء ، ثم الرفعة عنها إلى التحقّق بحقيقة البقاء ، ولما ذكر في البيت الأول التنبيه والإرشاد إلى غاية ما يقتضي محبة المحب محبوبه الحقيقي ، وهو الفناء والرجوع إلى الحالة العدمية الأصلية التي كانت حقيقته وأنيّته حاصلة في الحضرة العلمية الأزلية ، بلا حكم ووصف وعلم مضاف إليها في تلك الحضرة .
ثم ذكر منبّها للمحب نتيجة ذلك الفناء والرجوع على سبيل الجملة ، بقوله :
رفعت إلى ما لم تنله بحيلة ، ثم فصل ذلك الإجمال في البيت الثاني تفصيلا ما يتضمّن ردّ ما ادّعاه واعتقده المحبّ أن ذلك بوصله إلى محبوبه ، فقال : هذه الرتبة التي هي نتيجة فنائك ورجوعك إلى حالة عدميّتك الأصلية ، وهي رتبة التحقيق بحقيقة محبّتي إياك وببقائي الحقيقي التي لا تنال بجهد وكسب وحيلة بشرية خلقية هي رتبة متيّما تحقّقت بها كنت بحيث تعرف وتتيقّن بحكم : « فبي يعقل » فيها أنك لا تمكن أن يرى حقيقتك وأنيتك فيها إلّا خالية عن كل وصف وحكم وعلم وعمل وسير ومعرفة ومحبّة ، بل تراها بعين بي يبصر عدما محضا لا وجود ولا ظهور لها
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 257
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٥٧